
لماذا كتب الله الكلمة الطيّبة صدقة؟ قدّرها كذلك لا من باب إقدار الفقير عليها كصورة من عدله سبحانه بين خلقه بل لترقيتها على المال لأنّ فعلها في النفس أقوى من أثر المال في البدن. وأوّل مبادئ الطبّ النفسي أنّ الصحّة النفسيّة أساس الصحّة الجسديّة، وبالتالي فبتلك الكلمة التي نواسي بها المريض الشاكي تتحسّن حاله بالتوازي مع الدواء الذي لا ينفع وحده، وبتلك الكلمة التي نجامل بها الصحيح السالم يظلّ معافى وقد سلمت نفسه فسلم جسمه.
والكلمة الطيّبة من مكارم الأخلاق ووسائط التواصل وأسرار النجاح سواء أَقالها الطبيب أو المربّي أو التاجر أو الضيف. وقد كرّمها الله في كتابه بقوله: “إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه” (فاطر: 10). فأين نحن اليوم من هذا المعنى وهذا المستوى؟
بيننا كلام الشارع، وزاد عليه كلام الفيسبوك، واستفحل الهمّ بالتيك توك. هذا هو المحتوى الذي صرنا قادرين على صناعته حتّى لم يعد مبدعونا أو “مبدّعونا” يفكّرون في إنتاج الطريف المفيد والجديد الهادف سواء إذا غنّوا ورقصوا أو إذا تنافسوا في عرض الممثّل الواحد. وليست المؤسّسة التربويّة بمحيطها في منأى عن عدوى الكلام القبيح البذيء مع الذوق المنحطّ الرديء. فكيف نعمل ومن أين نبدأ لإصلاح ما أفسدته الحضارة المادّية الطاغية بأقوى الوسائل وأحدث التقنيات والحال أنّ المدرسة نفسها قد ساقتها النزعة المادّية إلى الهاوية مذ تخلّى المعلّم والأستاذ عن الواجب التربوي وتحوّلت العلاقة مع التلميذ إلى تجارة حرّة مريحة؟ وهل يكفي لتدارك الأمر بالبناء من جديد جهد وزارة الإشراف بالمناشير والإجراءات التوعويّة والتأديبيّة ما لم يعاضده جهد الأولياء الصلحاء إن شاء الله؟
أعتزّ بأنّي من ذلك الجيل الذي أوشك على الانقراض، ذلك الجيل المسكون بالخوف النافع بين سلطة الأب في الدار وسلطة المعلّم في المدرسة وحتّى في الشارع وبينهما توافق تامّ على مصلحتنا في تعليمنا وفي مستقبلنا دونما حاجة إلى تدخّل سلطة أمنيّة. وبعصا المؤدّب والمعلّم وما زاد عليها من جهة الأب صرنا رجالا، ونساء، بأتمّ معنى الكلمة، منضبطين نعرف حدودنا ونحسب كلماتنا. وما اعتبرنا ما “أكلنا” من الجانبين عنفا وظلما بل اعتبرناه حقّا وعدلا، وفهمنا منذ نعومة أظافرنا أنّ الدلال يخلّف الهبال، وأنّ الكرامة رهينة كلمة واحدة.
كانت أجسادنا نحيفة في ذلك الزمن الذي لم تكن فيه أكلة الشارع متاحة بل كان الأكل في الشارع محرّما في عرفنا، ولكنّ نفوسنا كانت كبيرة ممتلئة خيرا وأملا وتعويلا على النفس وعملا بعيدا عن الغشّ والغرور، كما لم نكن مكلفين على أوليائنا في كافّة حاجاتنا. كان شعارنا وسلوكنا أن نأكل ما حضر ونلبس ما ستر، وأدواتنا المدرسيّة مبجّلة على جميع شهواتنا البطنيّة، وكتبنا محفوظة لمن بعدنا كصدقة جارية إذ يعاد استعمالها، والبرامج هي نفسها.
وكانت قلوبنا ضعيفة تخشى الظلام والعبابيث في ذلك العهد الذي كنّا نستنير في لياليه بالقنديل في المنزل وبفانوس في النهج يجعل من ظلالنا أو خيالاتنا أشباحا مخيفة كما صوّرتها لنا حكايات الجدّة والعمّة. ولكنّ قلوبنا تلك كانت مستنيرة بالإيمان، قويّة على الشدائد، متعلّقة بالمطامح، دونما حاجة إلى التأهيل النفسي المعروف اليوم باسم “الكوتش”. وكنّا نتقاسم الهموم فتزول، ونتواسى في المصائب فتخفّ، ونتبادل الأفكار الإيجابيّة فنزداد قوّة وعزيمة. وما كانت طاقتنا في كلّ ذلك مشروطة بعملة صعبة إنّما كانت مكتسبة بكلمة طيّبة.
