
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللّهمّ لا تحاسبني على هلوسة العقل الذي وهبتني، ولا على لخبطة اللّسان الذي خلقت لي، ولا تختبر صبري وأنت العالم به، وما أنا بطامع في نبوّة أو مترشّح لرسالة حتّى تفعل بعبدك الضعيف فعلك بملائكتك وأنبيائك وإن ميّزت بعضهم بالعصمة من الخطإ والزلل، وهديتهم إلى الحقّ والخير، وأكرمتهم بأنعامك، ووعدتهم بثوابك حتّى أتمّ محمّد (ص) دينك.
أمّا بعد، فقد درست ودرّست البلاغة ولم أجد في باب التشبيه نوعا يكون فيه المشبّه به هو نفسه المشبّه، في حدود اللّفظ أو في عموم الصورة، كأن أقول: “إنّ المصائب تنهال عليّ كالمصائب” إذ لم أجد شيئا أشدّ من المصائب لأشبّه به المصائب فشبّهتها بذاتها متخيّلا فوارق في النوع والقوّة بين المصائب الأولى والمصائب الثانية. وما هو بتشبيه الماء بالماء أو الجنّة بالجنّة، حيث لا فرق بين الماء والماء ولا علم بالجنّتين.
ولن أنقطع عن حمده إذ تذكّرني بلطف يوم قدّر مرضي، وهو الصادق في قوله: “لئن شكرتم لأزيدنّكم”، فأنا أشكر، وهو يزيد. وحسبي الدعاء مردّدا : “دفع الله ما كان أعظم” أو متوسّلا بمنفرجة ابن النحوي التوزري.
وحقّاً فقد حماني في سرقة داري المغلقة ببلدتي الطيّبة، ثمّ رأف بي في مرض مزمن كضغط الدم وداء المفاصل. ثمّ لطف بي يوم صدمت سيّارة مجنونة خلفيّة سيّارتي، حتّى انشغلت بإجراءات التأمين والإصلاح المكلف. ثمّ حفظني في الأسبوع الموالي من عطب تلفزتي، فرضيت بخسارة المال، وسررت بسلامة الأبدان، ونحن عائلة وشركاء في السرّاء والضرّاء. وكان يمكن أن تكون السرقة مذبحة، والمرض خبيثا، والحادث قاتلا، والعطب انفجارا وحرقا. ولي مصائب أخرى بالشراكة مع تونس.
وينبغي أمام الكوارث أن نتصوّر الأخطر لنتقبّل الأقلّ، ونحمد الله ونشكر بدل أن نضجر ونكفر. أليس هو الذي خلقنا، والحقيق بأن يفعل بنا ما يشاء ؟ وحسبنا الرجاء: “اللهمّ لا نسألك ردّ القضاء، بل نسألك اللّطف فيه”. وما الحياة الدنيا إلاّ فتنة للبشر، بالخير والشرّ، وبالغنى والفقر، وبالعافية والمرض. وآخر العمر موت إلى يوم الحشر والحساب.
فما أحوجني فيما بقي من أيّامي إلى فعل الخير كأن أساعد المحتاج الحقيقيّ إذا ضايقته المعيشة، والفقير الصادق إذا أعجزته الدراسة، واليتيمة المعدمة إذا استحال عليها الزواج. وإنّما ينفق المال الحلال في مثل هذه السبل، لا في التفاخر بالمظاهر والمكاسب والتبجّح بلقبي “الحاج” و “الشيخ”.
وكما للضرورة أحكام فللأزمة تدبير. أفلا يكفيني إذا التبرّك بأقرب مقام لصحابيّ جليل أو لوليّ صالح أو لعالم فاضل، ومنهم أبو زمعة البلوي بالقيروان، وأبو لبابة الأنصاري بقابس، وعليّ بن زياد بتونس، والمازري بالمنستير ، وآخرون في كلّ مكان من بلادنا الطيّبة ؟ وقداسة مغرب الأولياء لا تقلّ عن قداسة مشرق الأنبياء. ولست مبالغا ولا فخورا إذا اعتبرت أنّ الإسلام الصحيح ليس الذي نراه هناك ممزّقا بين المذاهب والطوائف إلى حدّ الاختلاف العنيف، بل هو الذي نعيشه هنا موحّدا بين الناس تحت راية المذهب الواحد والعقيدة الواحدة. أليس لهذا حرص قدماء المؤلّفين التونسيّين ومن والاهم حتّى الأندلس على التنصيص في خواتم مصنّفاتهم على شرف الانتماء مردفين الاسم بصفتي: “المالكيّ مذهبًا، الأشعريّ اعتقادا” ؟
فلماذا أشغل بالي وأتعب خيالي بالقوم هناك فيما يفعلون وينفقون من مداخيل كذا وكذا، وأرض الله واسعة للعبادة والدعاء، وهو القائل: “وأينما تولّوا فثمّ وجه الله” (البقرة: 115) ؟
