
الموسيقار د. محمد الڤَرفي
“إنّا هنا باقون فَلْتَشرَبُوا البحرَنحرُسُ ظلَّ التين والزيتونْ ونَزْرعُ الأفكار كالخمير في العجينْونأكل التراب إن جُعنا..
ولا نرْحلْوبالدم الزكيِّ لا نَبْخَلْ..
ونصنع الأطفال جيلا ثائراجيلا وراء جيل” (توفيق زياد، مغناة “الغصون الحُمر”، 1979)إنا هنا باقون، هذه العبارة التي دخلت تاريخ الإنسانية هي صيغة معدلة من ردّ أحد وجوه الثورة الفرنسية Mirabeau (1749-1791) يوم 23 يونيو 1789 حين قال لمبعوث الملك: “أخبر سيدك أننا هنا بإرادة الشعب، وأننا لن نُغادر إلا بقوة الحِراب”.
كان هذا الموقف الصارم تعبرا عن إيمان راسخ بالمبادئ التي يحملها وتصميما لا ينثني في مواجهة سلطة تسعى إلى حل الجمعية الوطنية مؤكدا أن النواب سيبقون أيّا كانت الظروف.ونجحت الثورة الفرنسية وولدت ثورات في كل أنحاء العالم واستطاعت أن تقلب الأوضاع السائدة بفضل صمود رجالها رغم ما شابها من خلافات داخلية وانتكاسات عرضية.
إن صمود الثورة الفلسطينية التي نحتفي بمرور ثلاثة وستين عاما على ميلادها (غرة جانفي 1962) وإصرار مقاوميها بمختلف فصائلهم السياسية على انتزاع حقوق الشعب المشروعة بكامل الوسائل المتاحة وخصوصا مع مؤازرة شعوب العالم وتعاطفها مع قضيتهم لخير دليل على صحة الاختيار وسلامة المسار.
إن ما يتعرّض إليه الشعب الفلسطيني اليوم من إبادة وتهجير قسري واستيطان موسّع هو استمرار لسيناريو بدأ منذ الحرب الأولى التي نشبت بين العرب واليهود (1947-1948) غداة إعلان الأمم المتحدة عن تقسيم فلسطين إلى دولتين (1947) وإنشاء دولة إسرائيل (1948).
منذ هزيمة تركيا العثمانية عام (1920) وتفكك إمبراطورية الخلافة أصبحت فلسطين تحت الإدارة البريطانية (الانتداب) وكانت موضوع صراع بين الصهيونية اليهودية والقومية الفلسطينية العربية، وكذلك مع المحتل البريطاني الذي كان متحيّزا لليهود رغم عدائهم له.
وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين ارتكبت الميليشيات الصهيونية المسلحة أعمالا إرهابية ضد أهداف عربية مدنية وعسكرية وكذلك ضد السلطات البريطانية وأجهزتها الإدارية.

من ذلك المجزرة التي وقعت يوم 9 أفريل 1948 أثناء الاستيلاء على قرية دير ياسين غرب القدس والتي ارتكبها إرهابيّو منظمات “إيرڤون” و”ليحي” و”هاڤَانا” اليهودية وراح ضحيتها ما يقارب 120 قتلا علما وأن سكان القرية كان عددهم 610 عربيا.
ووفقاً للمؤرخين كان لهذه المذبحة تداعيات خطيرة على الصراع اللاحق لا سيما أنها تسببت في نزوح 700.000 فلسطيني خوفا من المصير نفسه، ووفرت مبررا للقادة العرب في الدول المجاورة للتدخل في الصراع.
ووفقًا للصحفي اليهودي الفرنسي النازح إلى إسرائيل Marius Schatner تمكنت فرقة من تنظيم palmach المسلّح يوم 9 أفريل 1948 من التغلب على خلية المقاومة الرئيسية في القرية وانسحبت بعد الظهر تاركة مهاجمين إيرڤون وليحي يجتاحون القرية.
وخلال الاجتياح استولوا على المنازل “وغالبًا ما كانوا يطهّرونها بالقنابل اليدوية كما فجروا عدة منازل”.
وتعرّضت النساء للاغتصاب والقتل وتمّ إعدام الأطفال رميا بالرشاشات قبل مغادرة رجال الميليشيا.

وتقول طفلة نجت من المذبحة: “أجبرونا على مغادرة الصف واحدا تلو الآخر. أطلقوا النار على رجل مسنّ ولمّا صرخت إحدى بناته قتلوها أيضا.
ثم نادوا أخي محمد وقتلوه أمام أعيننا، وعندما صرخت أمي وهي تنحني عليه وأختي الرضيعة بين ذراعيها أطلقوا النار عليها أيضا”.
ويقول العقيد مئير بائيل، أحد مقاتلي البلماخ الذي وصل إلى موقع الأحداث بعد وقوعها: “انتهت المعركة عند الظهر. عاد الهدوء، لكن القرية لم تستسلم.
خرجت قوات الإرجون وشتيرن من مخابئها وبدأت عمليات التمشيط.
أطلقوا النار بكل ما أوتوا من قوة، كما ألقوا متفجرات على المنازل.
قتلوا كل من وجدوه هناك بمن فيهم النساء والأطفال ثم اقتادوا نحو خمسة وعشرين رجلاً من منازلهم ووضعوهم في شاحنة وساقوهم على الطريقة الرومانية في الشوارع. بعد ذلك، اقتادوهم إلى محجر وأعدموهم رمياً بالرصاص بدم بارد”.
أثارت هذه المجزرة غضبا شديدا بين العديد من اليهود داخل المستوطنات اليهودية والمجتمع الدولي، من جميع الطوائف.
وفي 2 ديسمبر 1948 وقّع 29 شخصية يهودية أمريكية من بينهم العالم ألبرت أينشتاين رسالة مشتركة تُدين “ظهور حزب سياسي يرتبط ارتباطا وثيقا في تنظيمه وأساليبه وفلسفته السياسية وجاذبيته الاجتماعية بالأحزاب النازية والفاشية”.
اليوم ونحن نستحضر ذكرى دير ياسين المؤلمة التي أصبحت رمزا في ذاكرة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لا يسعنا إلا أن نذكّر الإبل الباهتة بأن غدا لناظره لقريب.
