
لا تقتصر جرائم الحرب على قطاع غزة فحسب، بل يرتكبها الإسرائيليون يومياً في الضفة الغربية دون تدخل من الشرطة أو الجيش، أو أنهم يغضّون الطرف.
(إيهود أولمار: رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق).
في حين كان العرب يحتفلون بأعياد الميلاد وبرأس السنة الجديدة في جوّ من الغبطة والتبذير كان إخوانهم في أرض فلسطين بغزة يصطلون بنار الصهيونية ولسع البرد وكأن الطبيعة تواطأت ضدّهم لتزيدهم شقاء على شقاء.
لا مأوى سوى خيام ممزقة تعبث بها الريح ولا ماء سوى ما تجود به الأمطار من قطرات نظيفة ولا غذاء سوى ما يلتقطونه من بقايا إعانات “إنسانية” تتسلل عبر الممرات المغلقة ولا هواء نقيّا يتنفّسونه وسط خراب تتسع رقعته يوما بعد يوم.
في غزة قصف متواصل بوحشية غريبة وقنص غادر من مسيّرات جبانة تمطر قنابلَ مدمّرة لكل مقوّمات الحياة.
في الضفة تفجير منازل وهجمات متواترة لعصابات مسلّحة من المستوطنين القادمين من أصقاع الدنيا لإرهاب أصحاب الأرض وتهجيرهم قسرا.
باختصار، إبادة جماعية تسيّرها عقيدة تلمودية وتنفّذها أيادي مجرمة تؤمن أن اليهود هم شعب الله المختار وأن باقي البشرية أعراقا ومللا ونحلا في مقام دونيّ لا يستحق الحياة.
ومن حسن الحظ أن شعوبا أخرى بعيدة في الجغرافيا وقريبة في الإنسانية تُحسّ بما تنبض به قلوب الفلسطينيين من ألم وبؤس خرجت في ذات المناسبة لتقول بكل حزم: لا للظلم، لا للإبادة المستمرة منذ أكثر من عامين.
من ذلك أن مواطني السويد “الكُفّار” قضّوا ليلة 31 ديسمبر في الشوارع الغِضاب بالمظاهرات بينما كان العرب يسبحون في بِرَك من خيرات الجنة.

الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني تُسمّى في العُرف الدولي تطهيرا عرقيا مثل التي لحِقت بالقبائل الهندية الأمريكية من قِبل المستوطنين الأوروبيين عند غزو القارة الجديدة أو الأرمن على يد الأتراك العثمانيين أو اليهود في أوروبا الشرقية وألمانيا عند صعود النازية قبل الحرب العالمية الثانية.
هي سياسة ممنهجة تمّ تنفيذها بنيّة مسبقة منذ مذبحة “دير ياسين” ترمي إلى نشر الرعب بين السكّان العرب لحثّهم على الهروب وإخلاء منازلهم. وهكذا تتحقق نبوءة هرزل “أرض بدون شعب”.
عام 2006 صدر للمؤرخ اليهودي الإسرائيلي إيلان بابي Ilan Pappé كتاب باللغة الانكليزية في غاية الأهمية يكشف بطريقة موضوعية صورة عن حقيقة ما وقع في فلسطين قبل قيام الكيان عام 1948 وبعده.
والمؤلف هو عالم تاريخ historiographe مولود بمدينة حيفا عام 1954 أي بعد تأسيس دولة الكيان بست سنوات من أبوين ألمانيين نزحا إلى فلسطين بعد صعود هتلر إلى سدة الحكم وبدء الاضطهاد النازي ضد اليهود.
انتمى إلى الحزب الشيوعي “راكاح” الذي ضم كثيرا منن عرب فلسطين المناضلين مثل الشاعرين محمود درويش وتوفيق زيّاد واشتهر بمواقفه المناهضة لسياسة نتنياهو العنصرية. والكاتب هو اليوم بدوره نازح إلى بريطانيا منذ عام 1990 بسبب أفكاره البعيدة عن التصوّر الصهيوني للمجتمع اليهودي.
أثبت الكاتب خلافا لما يدّعيه مؤرخو الدولة العبرية أن نزوح الفلسطينيين خلال حرب فلسطين عام 1948 كان هدفا للحركة الصهيونية التي اعتبرته ضرورة لإقامة إسرائيل كدولة يهودية. ووفقًا لبابي، فإن طرد الفلسطينيين ونزوحهم عام 1948 كان نتيجة تطهير عرقي مُخطط له في فلسطين، نفذه ديفيد بن غوريون ومجموعة من مستشاريه.
ويقول إن هذا التطهير تم من خلال الطرد المنهجي لنحو 500 قرية عربية، فضلًا عن الهجمات الإرهابية التي شنتها ميليشيات “إرجون” و”ليحي” و”هاجاناه” ضد السكان العرب. كما يستشهد إيلان بابي بخطة “داليت” (د بالعبرية) وملفات القرى كدليل على عمليات الطرد المُخطط لها.

يقول المؤلف في تصدير كتابه:
“وضعت هذا العمل أولا وقبل كل شيء للفلسطينيين الذين وقعوا ضحايا التطهير العرقي عام 1948. كثيرٌ منهم أصدقاء ورفاق، وكثيرٌ آخرون مجهولون بالنسبة لي، ولكن منذ أن علمتُ بالنكبة لم أتوقف عن حمل معاناتهم وخسائرهم وآمالهم في قلبي. فقط عندما يعودون سأشعر أخيرا بأن فصل الكارثة قد طُوي، كما نتمنى جميعا، مما يسمح لنا جميعا بالعيش في سلام ووئام في فلسطين”.
وعن “المنزل الأحمر” الذي تم فيه اتخاذ القرار يقول:
“في هذا المنزل، في ظهيرة يوم أربعاء بارد، الموافق 10 مارس 1948، وضع أحد عشر رجلاً (قادة صهاينة مخضرمون وضباط يهود شباب) اللمسات الأخيرة على خطة للتطهير العرقي لفلسطين. وفي مساء اليوم نفسه، صدرت الأوامر إلى الوحدات الميدانية بالاستعداد للطرد المنهجي للفلسطينيين من مناطق شاسعة من البلاد”.
(يتبع)
