
كلّما زرت موقعا أثريّا ووقفت أمام معلم تاريخيّ تذكّرت قولة محمد حسين فنطر الموضّحة لما ننسبه إلى الرومان على أنّه من بناء الغزاة بأنّه، على وجه الحقيقة لا الخطإ الرائج، صنع تونسيّ قدّ بأيدي أسلافنا سكّان هذه البلاد العريقة في التاريخ والمجيدة بالروائع والكنوز. وتبعا لهذا التوضيح وجب علينا جميعا، وعلى أجوار المواقع والمعالم بالخصوص، لا أن نعتزّ بها فقط، بل أن نصونها في إطار الوطنيّة شعورا وعملا، وكلّ بطريقته سواء أكان باحثا أو مدرّسا أو دليلا سياحيّا أو مبدعا أو مواطنا عاديّا.
وذلك الواجب يؤسّسه درس التاريخ في القسم وفي الرحلة الدراسيّة، ويدعمه لطالب التخصّص درسُ اللغة، لا العربيّة فقط بل اللغات القديمة لعلاقة هذه بتلك. هكذا قال الدكتور فنطر مرار وتكرارا بمناسبة كلامه عن ماضينا وتراثنا تحت عنوان “تونس ثلاثة آلاف سنة حضارة” عبر الإذاعة أو أثناء محاضرة. ومن خلال الأحداث نستخلص العبر أسوة بابن خلدون بدءا بعنوان كتابه. ولا فائدة من التاريخ إذا لم نتّعظ فيه بأخطاء الماضي لنتجنّب تكرارها في المستقبل، ولم نعرف الصالح منه لنبني عليه غدا أفضل.
وأولى العبر بالاستثمار قيمة الإنسان المنتمي إلى وطن والمخلص له والحامي لحماه والمدافع عن سيادته تحت راية الحرّية المسؤولة والسياسة المستقلّة. ولكن، للأسف، فالتاريخ يشهد، وكذلك الحاضر، شهادة سوداء على خونة وفُسّاد غلبت الأنانيّة نفوسهم الصغيرة حتّى تجاوزت أطماعهم التحيّل والنهب إلى العمالة والتخابر ببراعة النفاق والتمثيل وغطاء حقوق الإنسان وحرّية المعارضة والتعبير. أحدهم كان وزيرا في “عهد التغيير”، والآخر كان رئيسا من دون انتخاب كما هي سخرية القدر إذا تحالف الانتهازيّون مع المتاجرين بالدين وانطلت لعبتهم القذرة على المغرّرين. فأعجب من وزير ورئيس يؤلّبان الخارج على التونسيّين حكومة وشعبا إلى حدّ البطالة بعرقلة المشاريع وتعطيل الصفقات ومنع المساعدات وتعسير القروض والاعتراض على الصادرات وطلب فرض العقوبات نكالة في الرئيس وأملا في الإطاحة به بطريقة أو بأخرى، لا لاختلاف على مصلحة أو برنامج بل لأنّه أسقط أقنعتهم وخالف أهواءهم وتحدّاهم بثبات على القيم والمبادئ وإصرار على نفس المسار رغم مخلّفات عشريّة الدمار.
ومن دروس التاريخ، وما بالعهد من قدم، ذلك الصراع على السلطة بين رئيس المنظّمة الشغيلة ورئيس حكومة من الزمن البورقيبي، ذلك الصراع الذي أشعل البلاد حتّى صار شهر جانفي لأكثر من مرّة شهر الإضرابات والاحتجاجات، وكلّ طرف مستعرض لقواه. ومقابل الفوضى والعبث غيرنا بالجوار يراكم المكاسب ويشيّد ويتفانى في سباق التنمية. وإنّها المفاجأة الكبرى تبهرنا من بلد شقيق بمناسبة كأس أمم إفريقيا في كرة القدم (2025) في مختلف الصور من البنية التحتيّة في النقل والسكك والطرقات والمواني والمطارات إلى الإنجازات الكبرى في البيئة والمرافق كالملاعب ومحطّات تحلية مياه البحر وإنتاج الطاقة النظيفة.
إخواننا على موعد مع التاريخ، ونحن على موعد مع اتّحاد البطالة ! وعاش المغرب العربي إن كان ولد.
