
يعرف قرّائي أنّي لست مغرما بكرة القدم. وحسبي من الرياضة بأصنافها الاحتفاء والاعتزاز بالراية الوطنيّة إذا رُفعت للأبطال في الألعاب الفرديّة أو المباريات الجماعيّة على أنغام النشيد الرسمي. وبذلك الشعور وحده تابعت لقطات من منافسات كأس أمم إفريقيا في كرة القدم في دورة المغرب سنة 2025.
كانت فرصة للتجوال الافتراضي بين مدن المغرب الشقيق عبر أشرطة الفيديو المقترحة على أمثالي من السابحين في بحر اليوتيوب، بالنطق الأنقليزي. وأروعها تلك المصوّرة بالطريقة المشّائيّة، فكأنّك أنت المترجّل إذا أردت البطء بين الأزقّة والأسواق أو أنت الراكب إذا فضّلت السرعة طوال الشوارع الفسيحة وعبر المحوّلات. وعيني مترجّلا أو راكبا، بالمعنى المجازي، عين مقارن بين بلدين كانا يحلمان مع الأجوار بمغرب عربيّ كبير قائم على وحدة الدين واللغة والتاريخ والمصير، ما لم نضف الأصل العربيّ برافده المعرّب اعتبارا للجدل بين العرب والبربر الذي أراده المستعمر مدعاة فتنة وتفرقة. ذلك لأنّ المذهب المالكي قد وحّد، منذ عصر القيروان العاصمة، جميع المغاربة بقدر ما فرّقت المذاهب، من سنّة وشيعة، إخواننا المشارقة. وما زال الخطر علينا جاثما ما دام المتربّصون بنا والعملاء في الداخل والخارج يكيدون لنا عبر الإعلام المأجور بتعلّة حقوق الإنسان تحت الراية الأمازيغيّة الشبيهة الألوان بالراية المثليّة. وتلك صورة الديمقراطيّة وحرّية التفكير والتعبير والتديّن موجودا أو منعدما.
ذلك كلّه لا يعنيني في هذا المقام، ولا أتوجّس منه خيفة على البلاد ما دامت الوطنيّة قويّة والذاكرة فطنة، وإنّما يعنيني شعوران مختلفان بسبب العين المقارنة والنظرة الموازنة. أحدهما الإعجاب بما حقّقه المغرب من نقلة سريعة ومبهرة من أحد البلدان النامية، دون تفاوت مع أجواره، إلى بلد يضاهي العالم المتقدّم إلى درجة مانعة من تحقيق ذلك الحلم المغاربي القديم، حيث لم يبق موجب ولا تنتظر فائدة من اتّحاد بلدان الجوار المتخلّفة بإصرار مع بلد فاتها بأشواط. وثاني ذينك الشعورين هو الأسف على تونس لما آلت إليه من تراجع مدّة العشريّة السوداء بحكم “النهضة” والأحلاف الطامعين في الكعكة والفاسدين والمضاربين والأنانيين على حساب المصلحة العامّة وقوت الشعب.
أقول هذا ولا أحسد الأشقّاء لأنّي أحبّهم وأحبّ لهم كما أحبّ لنفسي ولبلدي كلّ الخير في ظلّ الاستقرار وبفضل العمل. وأدعو الله لهم ولنا بأن يزيد ويبارك فيما أنعم به على قدر الصدق والإخلاص والاجتهاد والإصرار. والصور واضحة بما يقنع ويحفّز في كلّ ما تراه عين المقارن، وسمته الجمال البديع والذوق الرفيع والاتقان والنظافة بقدر كبير يمتع البصر ويسعد النفس. وتجلّيات تلك القيم في البنية التحتيّة والمرافق العموميّة والمؤسّسات الخاصّة والمشاريع الكبرى. ولا فائدة في التفصيل بعد شهادات الإعجاب والتقدير المستفادة ممّن رافقوا المنتخب الوطني فأبهروا بما رأوا.
وأنا شخصيّا أعيش طيلة مباريات الكأس الإفريقيّة في شبه حلم بخيال سابح بين الرباط وطنجة والدار البيضاء وفاس ومكناس ومرّاكش وهي تتجلّى في حلل الرفاه كالعرائس الفاتنات أو ملكات الجمال المتنافسات، وكأنّي لم أزرها في أوائل التسعينات من القرن الماضي. ومن الذهول فقدان البوصلة وفوضى الذاكرة. فأيّ حياة هذه التي تضيع فيها أعمارنا في المتاعب وتتبخّر فيها آمالنا في الوعود؟
