
في سنة 1984 نشرتُ على أعمدة جريدة “لابراس” سلسلة مقالات عن رحلة قمتُ بها الى البرازيل، خصصت بعضها للحديث عن كرة القدم وتجلياتها في حياة الناس اليوميّة. ما أزال أذكر العنوان العام الذي نشرت تحته المقالات والذي أوحى لي به رئيس تحرير “أو غلوبو” (O globol) كبرى صحف البلاد، وهو “أنا أراوغ فإذن أنا موجود”.
◾️عندما كانت كرة القدم البرازيلية دعود للحام
لأن كرة القدم في البرازيل ليست لعبة، إنما هي مسألة أونتولوجية، حياتيّة. هي شيء أقرب الى التديّن. لذلك لا يقول البرازيليون إنهم يلعبون كرة القدم بل “يحتفون بكرة القدم”. لأن كرة القدم عند البرازيليين منسك وفن ونمط حياة. وكأنها قدرهم الذي كتب عليهم منذ الأزل، حتى قبل ان تولد هذه اللعبه في انقلترا في القرن التاسع عشر، مثلما يصور ذلك بجمالية كبيرة الفيلم السنمائي “أورفيو نغرو”*
يُخيّل اليك وانت تجوب شارع ريو دي جنيرو أن كرة القدم وُلدت هنا. صور أبطال “السيليساو” في كل مكان، وعلى امتداد شواطئ المدينة التي لا تنتهي تنتصب ملاعب كرة القدم حيث تقام المباريات منذ طلوع الفجر كل أيام السنة.
“كل هذا سينتهي قريبا!”. هذا ما قاله لي رئيس تحرير “أو غلوبو” العارف بواقع كرة القدم في بلاده وصاحب عديد المؤلفات في المجال. سأسلته: لماذا؟أجابني لأن كرتنا بصدد فقدان روحها وقد فقدت بعدُ اجزاءً كبيرة منها امتصتها جاذبية الثراء والشهرة في أوروبا. كان هذا الحديث سنة 1984.
ويبدو أن تنبأه قد صدق. فالبرازيل لم يعد ذلك الغول الذي يرعب منافسيه رغم ان يبقى أكثر المنتخبات تتويجا برفعه كأس العالم خمس مرات. بداية سقوطه كانت سنة 1998 على يد (أو قدم) زين الدين زيدان، وتأكّد السقوط منذ أيام عن طريق النرويجي إرلينغ هالند.
البرازيل لم يعد يقدّم تلك كرة القدم الراقصة على انعام رقصة الصمبا، وفريق “الأوروي-فاردي” (الذهب والأخضر نسبة للون قميصه) بهتت ألوانه ومبارياته لم تعد تلك الدعوة المتجددة للحلم والتي يمكن ان يحدث خلالها كل شيء. لم يعد البرازيل ينتج ما كان يميّزه بين كل فرق العالم: الظهير المهاجم Laterais كما يقال بالبرتغالي ، ورقم عشرة المرعب للدّفاعات المنافسة والقادر على التهديف من كل مكان. انتهى ذلك. آخر ظهير أيمن كان مارسيلو نجم ريال مدريد رغم ان ابناء جيلي ما يزالون يتذكرون كارلوس ألبرتو الذي سجل هدف الفوز على إيطاليا سنة 1970، ولعل آخر “عشرة” هو نيمار الذي لم يرق أبدا الى مستوى أسلافه واشهرهم إطلاقا إيدسون ناسيمنتو المعروف باسم “بيلي”.
◾️الهيمنة الأوروبية
البرازيل يجب البحث عنه اليوم في أوروبا الغربيّة، في ضواحي مدن فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وإنجلترا… حيث الامكانات المادية الهائلة، والبنى التحتية الوفيرة والمتطوّرة، والهياكل التكوينية الكفأة، والتخطيطات الصارمة.
أوروبا تبسط اليوم هيمنة كاملة على كرة القدم، وليس من الصدف ان تكون سبع منتخبات متأهلة للدور ربع النهائي من أوروبا الغربية مقابل منتخب وحيد من أمريكا اللاتينية، الأرجنتين.
نعم، أضاع البرازيل روحه فلجأ الى أوروبي (إيطالي) بحثا عن استعادتها. لكن خاب الطالب والمطلوب ولم يبق للبرازيليين من حل غير العودة الى أصولهم، حين كانت كرة القدم حلم أطفال الأحياء الشعبية الذين يولدون لاعبي كرة قدم قبل ان يتحوّلوا الى رياضيين مدفوعين الى الهجرة الى عواصم أوروبا…
* أرفيو نيغرو (Orfeu Negro)، شريط موسيقي فرنسي-ايطالي-برازيلي من إخراج مارسال كامو سنة 1959، حائز على “السّعفة الذهبية”بمهرجان كان الفرنسي”، و”أسكار” و”غلدن غلوب” لأفضل فلم أجنبي بأمريكا سنة 1960

