ان ارتفاع كلفة الدعم تعد من اهم اسباب ما تعاينه الدولة من عجز متفاقم في تلبية تطلعات المواطنين في تنمية عادلة وبنية تحتية محفزة لوصول الاستثمار الى المناطق الداخلية كما انها سببا في عجزها من الحد من مديونيتها التي من المنتظر ان تستفحل في السنة القادمة لانه لا خيار امام الحكومة الا المضي قدما في سياسة الاقتراض الخارجي لدعم الميزانية رغم ان قيمة الديون بلغت 102,1 مليار دينار (35 مليار دولار حتى نهاية أكتوبر الماضي، وهو رقم قياسي لم تسجله البلاد من قبل، حيث وصلت الديون إلى نحو 81,47% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت في حدود 67,9% عام 2019.
وقد كشفت وثيقة نشرتها وزارة المالية قبل اسابيع، أنّ الدين الخارجي لتونس بلغ 61,9 مليار دينار وهو ما يمثل نحو 49,3% من مجمل الدين، مقابل 40,2 مليار دينار دين داخلي، فيما بلغت خدمة الدين 11.3 مليار دينار نهاية أكتوبر الماضي ويتوقع ارتفاع الديون إلى ما يزيد على 100% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام لانه لا خيار امام الحكومة الا اقتراض 23 مليار دينار على الاقل لان كل المؤشرات تظهر أنّ الحاجة للاقتراض الخارجي ملحة جدا لتنفيذ برامج تنمويّة في الولايات المهمشة التي لم تنقطع فيها الاحتجاجات منذ الثورة..
هذا الوضع لا يحتاج الى مسكنات بل الى «عمليات جراحية» دقيقة لاستئصال «المرض» نهائيا من مفاصل البلاد والدولة وهذا يمر حتما عبر مراجعة سياسة الدعم ليصل فعلا الى مستحقيه.
وما يجعل هذا الاجراء ممكنا رغم «المواقف السياسوية» منه ان عديد البلدان التي مرت باوضاع شبيهة بالوضع التونسي نجحت في ترشيد سياسة الدعم وتحديد وجهته بصفة دقيقة وحققت نجاحات كبيرة في ذلك من خلال تقديم الدعم مباشرة للفئات المستهدفة في شكل تحمل مصاريف الطاقة للعائلات محدودة الدخل أو في شكل منح عائلية تسند مباشرة لهذه العائلات كما اعتمدت على آليات مبتكرة لدعم المواد الغذائية الأساسية من خلال توزيع كميات من هذه المواد على العائلات الفقيرة أو مبالغ مالية لشرائها او إسناد منح شهرية للعائلات محدودة الدخل كما سعت تلك الدول الى حوكمة منظومة الدعم وترشيدها فالمغرب مثلا اسند التصرف في صندوق الدعم لمؤسسة عمومية مستقلة إداريا وماليا يسيرها مجلس إدارة يرأسه رئيس الحكومة ويضم كل الوزارات المعنية بالمواد المدعمة وتعمل هذه المؤسسة على إصلاح المالية العمومية من خلال التخفيض في دعم الغذاء والطاقة مقابل تقديم مساعدات مباشرة للفقراء في شكل مدفوعات نقدية شهرية لحوالي مليوني أسرة فقيرة.
اما البرازيل فقد الغت منذ سنة 2003 منظومة الدعم وتعويضها ببرنامج «منحة عائلية» بدعم من البنك الدولي، تتمثل في إسناد الأموال إلى أمهات العائلات بهدف ضمان حدّ أدنى من التنمية البشرية الشاملة والحدّ من الفقر والمساواة ليشمل هذا البرنامج 13 مليون عائلة ويرتكز على منظومة إعلامية وقاعدة بيانات شاملة ومتطورة ومحيّنة باستمرار.
اما التجربة الإيرانية فلا ترتكز على الدخل أو على أي شرط من الشروط للحصول على المنحة العائلية وتسند المنح بمجرّد التسجيل بالمنظومة مهما كان الدخل حيث يتحصل كل فرد من العائلة المنتفعة على ما يعادل 40 دولار في الشهر مع حدّ أقصى ب6 أفراد للأسرة الواحدة.
هذه التجارب نجحت لان اعتمادها تم في نطاق شفافية مطلقة ووضوح في الرؤى وهو ما يمكن توفيره في تونس ان توفرت الارادة وتم تفعيل الحرب على الفساد فعلا دون الاكتفاء بالاقوال وايضا ان تم لجم الغوغائيين من اصحاب المواقف “السياسوية” ممن ياكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي مطلقين شعارات من قبيل لن نسمح بتجاوز الخطوط الحمراء ولن نسمح بتفقير المواطن وتجويعه في حين هم سبب فقره وجوعه لما اثخنوا ميزانيات الدولة باضراباتهم التي لم تنته واحتجاجتهم التي تندلع لاتفه الاسباب وما على الحكومة الا ان تمضي قدما في اصلاحاتها و”ترقيم” طرق اسناد الاعانات وترشيد الدعم ليصل فعلا الى مستحقيه وان تحارب الفساد في “بيوت” من يدعون “الطهارة”.
عبد الحميد الفلاح
