ثلاثة أحداث فارقة عاشت على وقعها تونس اليوم .. الحدث الاول كان عقد البرلمان المجمدة اعماله لأول جلسة منذ 25 جويلية 2021 تاريخ تفعيل الفصل 80 من الدستور والعمل بالتدابير الاستثنائية التي توحي كل مجريات الامور في تونس انها ستكون “دائمة” او على الاقل هكذا يتصور مناصروها ..
الحدث الثاني هو عقد ثلاثة أحزاب تجمعت في هيكل اسمته “تنسيقية الاحزاب الديمقراطية” ..
أما الحدث الثالث فكان المقال الصادر في صحيفة بريطانية ذات صيت عالمي كبير جدا ولا تكتب مجاملة او تشفيا حيث نشرت الـ”فاينناشل تايمز” مقالا بعنوان Tunisia’s president is leading it down a dangerous path
وترجمته “الرئيس التونسي يقود البلاد الى منزلق خطير”.
ما نستشفه من الاحداث الثلاثة ان الاجانب اكثر فهما لتونس منا ومن نخبنا السياسية التي اثبتت ان هوايتها هو رش الملح على جراح البلاد وان تلك النخب تنحدر من سلالة اولئك البيزنطيين الذين حاصرهم الاتراك من كل حدب وصوب فراحوا يتجادلون حول كل شيء الا حول كيف يصدون العدو المتربص بهم الى ان اقتحموا عليهم حصنهم وجعلوا دولتهم اثرا بعد عين لا بل جعلوهم محل تندر الى ان يرث الله الارض ومن عليها.
في الوقت الذي يلهث فيه التونسي وراء لتر من “زيت الصانغو” ويكاد يبذل ماء وجه للظفر بكيلوغرام من السميد ليسكت جوعه وتتطاير الاسئلة من شفتيه حول جرايته فلا يعود اليه صدى رعبه من غد مظلم قد لا يحتاج فيه الى الاموال لأنه لن يجد ما يقتنيه اصلا لإسكات جوعه .. نعم ودون مبالغة بلادنا تسير نحو منزلق خطير فلا حكومة بودن وجدت الخطة اللازمة للقيام بإصلاحات تقنع الممولين والشركاء لمد يد العون ولا قانون المالية انبنى على فرضيات معقولة تجعل ما تم رصده من نفقات للدولة قريب من الواقع لان سعر برميل البترول ارتفع الى 90 دولارا ومرشح الى ان يصل الى مائة دولار في قادم الايام ولن ينحدر عن ذلك السعر الا بدولارات قليلة في افضل الاحوال في حين توقع قانون المالية ان لا يتجاوز 75 دولارا ويكفي التذكير ان زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تكلف الدولة 120 مليون دولار او حتى اكثر .. اذن في خضم كل ذلك “السواد” يعقد البرلمان جلسة للاحتفال بدستور هو احد اسباب الازمة .. دستور لا يساوي عند المواطن الجوعان الخائف على مستقبل ابنائه والذي يرفع عينيه فلا يرى الا الغيوم .. ويتداول على الكلمة نواب اغلبهم “تركوا اهل البلاء يقاومون بلاءهم” وحطوا الرحال في اوطان لا يجوعون فيها ولا يعرون ولا يخافون على مستقبل ابنائهم وليت احدهم تحدث عن معاناة التونسي ولفت الانتباه الى الخطر الداهم المتمثل في جوع “كافر” ان استبد اكثر فيصبح الجوعى عاصفة لن تبقي ولا تذر ويعيد النواب المتكلمون نفس الاصطوانة المشروخة التي من اجلهم كرههم الشعب ونفر منهم بل وكفر بالحرية ولعن الثورة ليس استسلاما للعبودية وللديكتاتورية بل لان الجوع والحرية خطان متوازيان لا يلتقيان ابدا والجائع سيلعن من يحدثه عن الحرية .. وفي مكان اخر من العاصمة اجتمع من حصروا الديمقراطية فيهم فقط وهم ثلاثة احزاب كل مناصريهم تسعهم “لواج” ويبقى فيها مكانا شاغرا باعتبار السائق ليتحدثوا عن “طريق ثالث” متوعدين رئيس الجمهورية بانهم لن يتوانوا لحظة في دفعه الى هذا الطريق رغم ان كلامه قبل اسابيع قليلة عن الطريق الثالث والرابع والخامس مازال صداه يرن في آذانه ورغم ان لا شيء وقع قد يدفع قيس سعيد الى احترام “طرقهم” تلك ويسعى الى ان يسلك واحدا منها.
والاغرب والباعث على النقمة اكثر على هذه النخبة التي لا تختلف في شيء عن النكبة انها جميعها تحملت وزر ما وصلت اليه البلاد من انسداد اما بمشاركة في الحكم على اساس انه غنيمة او بمعارضتها العبثية لمن حكم.
لقد اثبتت النخب السياسية في تونس من حكم منهم ومن عارض ومن يريد ان يحكم انها جميعا لا تستحق الاحترام ولا يمكن ان تستؤمن على البلاد فهم كلهم نبذهم رئيس الجمهورية وقبله نبذهم الشعب ولم يبدر منهم انهم فهموا الدرس وانهم اتعظوا فتحتفل فئة منهم بدستور لا يساوي الحبر الذي كتب به وترعد فئة اخرى منهم وتزبد عارضة طريقها على رئيس الجمهورية وعلى الشعب غير واعية انها هي اصلا من اضاعت الطريق وانها تسير في “الفراغ”.
سيداتي ساداتي احتفلوا وهنئوا بعضكم البعض واختاروا ما شئتم من الطرقات ولكن تكروا انكم تونسيون وان ابناء شعبكم ينتظرون منكم ما يطمئنهم على قوتهم ومستقبلهم.
عبد الحميد الفلاح
