د.خالد شوكات
تكشف الحرب الروسية الاوكرانية عن نقاط ضعف كثيرة لدينا ولدى أمثالنا من الدول ذات الأنظمة “الهجينة”، وهي التي تبدو وكأنها بعيدة عنّا وهي القريبة، كما تبدو وكأنها لا تعنينا وتأثيراتها بصرف النظر عن طولها ستكون حتما مجحفة، ومن نقاط الضعف هذه:
- أننا منذ استولى الاخ الرئيس قيس سعيّد على جميع السلطات، لا نملك رؤية واضحة لقضايا العالم والمنطقة رغم أهمية “الجيو-بوليتيكا” و”الجيو- استراتيجيا” في تقرير مصيرنا ومصالحنا، خصوصا الاهمية التي يكتسيها موقع بلادنا في قلب تاريخ العالم وجغرافيته. وهذا لا يعني اننا كنا نملك هذه الرؤية طيلة السنوات العشر الماضية من الانتقال الديمقراطي، ولكننا على اي حال كنا بحكم فرادة هذا الانتقال والتوجهات العامة التي صاغت سياستنا الخارجية منذ الاستقلال، في رعاية غربية واضحة وفي ارتباط جبو-استراتيجي بها، سواء تعلق الحال بالولايات المتحدة أو بالاتحاد الاوربي. أما اليوم فقد أصبحنا في شبه عزلة دولية، مغضوب علينا، أو لنقل غير مرضي عنا على الاقل، لا نملك ضمانات غربية، ولم نتمكن من التوجه الى خيارات اخرى تبدو غير ممكنة وعصية وفيّ غير صالحنا.
- في ظل انهيار المؤسسات السياسية للبلاد، وتعمّق حالة الصراع والانقسام، جراء حالة الانفراد بالرأي والقرار، فضلا عن تهافت مشاعر التضامن والوحدة الوطنية، نبدو عراة في شدة الضعف والقابلية للانهيار أمام اي تداعيات خطيرة لهذه الحرب القابلة لتكون حربا عالمية في اي وقت وساعة، فعند الشدائد الخارجية تحتاج الدول والشعوب الى تماسك مؤسساتها ومنظوماتها ومواطنيها ووحدة كلمتها ووضوح رؤيتها وحسن اختياراتها.
- سنتبين في مادتين أساسيتين ضروريتين في حياتنا اليومية، الى اي حد يبدو تأثير هذه الحرب مباشرا وفوريا وخطيرا، فمن جهة نحن دولة مستوردة للمحروقات التي ستحلق اسعارها عالياً الى ارقام قياسية ستعمق أزمتنا المالية وستضاعف من متاعبنا الاقتصادية والاجتماعية، ومن جهة ثانية نحن بلد يستورد نصف القمح الذي يشكل المادة الاساسية في غذائه، أغلبه مجلوب من أوكرانيا، وكم نبّه خبراؤنا وحكماؤنا الى أهمية العناية بفلاحتنا ودعم فلاحينا لتأمين الاكتفاء الذاتي من الحبوب على الاقل، لكن لا حياة لمن تنادي. فان لم نأخذ الدرس هذه المرة فلن نأخذه مرة اخرى، او وبما يكون قد فان الاوان حينها وذهب الى ما لا يحمد عقباه.
إن هذه الحرب الروسية الاوكرانية ستكون نقطة تحوّل جوهرية في العلاقات الدولية، وستساهم في صياغة عالم دولي جديد يطمح البعض الى ان يقسم الدول مرة اخرى الى قطبين، وستكون الدول الضعيفة والمناطق المتخلفة مجالا للصراع بين هذين القطبين، وهو ما يفرض على بلادنا حل مشاكلها الداخلية باقصى سرعة ممكنة لتكون قادرة على التعاطي بشكل جيد مع هذه المتغيرات العميقة وبما يحفظ مصالحها العليا ويقيها شرور الاختيارات الخاطئة، ومن هنا حاجتنا الأكيدة الى حوار وطني شامل لا يقصي احدا والى استعادة الدولة لمؤسساتها الفاعلة في اقرب وقت.. اما عنتريات “امك صنافة” و”افريقيا للافارقة” و”قلنا لهم وقالوا لنا” و”صواريخنا المنصوبة المستعدة للإطلاق” وخصوصا ضمير الغائب “هم” فلا نظنها تنفع أحدا في هذه الساعة “المباركة المسعودة”..
