
من اهم تعريفات السياسة واشهرها انها- اي السياسة- فن الممكن.
واذا اتفقنا على أن السياسة” فن” بمعنى القدره والمهاره في ادارة الشؤون والمصالح فإن توصيفها بالممكن يطرح إشكالا في الفهم لان “الممكن” لفظ متناقض يعني في نفس الوقت ما هو مقيد ومحدد بالواقع، وما هو ،بالعكس، مفتوح واسع النطاق.
الرئيس قيس سعيد يؤكد كل يوم وخصوصا منذ اقدامه على اجراءات 25 جويليه الماضيه: اقالة رئيس الحكومه وتجميد مجلس النواب وحل المجلس الأعلى للقضاء، وفي المحصلة، جمع لكل السلط بين يديه، قلنا يؤكد انه مع المدلول الثاني لعبارة الممكن في معناه اللامحدود الذي يخول به لنفسه تنفيذ كل ما يراه ويقرره.
وهذا طبعا ما يدعو إلى القلق والخوف لانه من المفروض ان تكون القرارات التي يتخذها رئيس الدولة نتاج حوار وتشارك وتوافق تؤدي الى حلول وسطية.
السلطة تمارس من الوسط مهما كانت جهة انتماء صاحب السلطة، يسارا كانت أم يمينا.الرئيس سعيد لا ينتمي لأي جهة او توجه سياسي ولا يمتلك اي تجربة سياسية او عسكرية مثل الذين سبقوه إلى كرسي قرطاج.
لا شك ان هذا العنصر وراء انتخابه وتواصل شعبيته- على الاقل كما تبرزه نتائج سبر الآراء- في زمن تراجع فيه دور الاحزاب السياسيه بعد ان تآكلت وتأكد فشلها خلال كامل العشريه الاخيره في تحقيق تطلعات التونسيين الى الشغل والاستقرار والتنميه الاجتماعيه.
لكن نجاح الرئيس سعيد في تمرير قرارت25 جويلية وانتصابه حاكما بصلاحيات لا محدودة لإنجاز مشروعه السياسي يبقى مسعى محفوفا بالمخاطر ما لم يتوفر له شرطان اساسيان.
فإما الشرط الأول فهو اقتصادي يهتم بايجاد الموارد اللازمة لميزانية الدولة سواء في ما يتعلق منها بالتشغيل او بالاستثمار لبدء الخروج من الازمة وتخفيف الحمل الثقيل على مقدرة المواطن الشرائية.
هذا الشرط يبدو صعب الاستيفاء في ظل تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتداعيات السلبيه المنتظرة من الحرب الروسية-الاوكرانية.
اما الشرط الثاني فيتمثل في فتح باب الحوار والمشاركة لكل الفاعلين على الساحة الوطنية لتحديد ملامح المشروع الجديد الذي فرضته قرارات 25 جويلية. هنا ايضا شرط لا يمكن انتظار توفره هو الاخر لان الرئيس سعيد له مشروعه الشخصي ولا يبدو متحمسا لتشريك ايا كان قبل ان يتبلور ويصل مرحلة التنفيذ.
تمكن الرئيس سعيد الى حد الان من ادارة الوضع بنجاح نسبي مستغلا فشل سابقيه، لكن غياب النتائج في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وطول الاجل قبل الانتخابات المرتقبه قد يعقد الوضع ويدفعه الى مزيد الانفراد بالراي والتصلب في مواقفه، وهو ما يشكل فخا خطيرا لعل الرئيس سعيد بدا يقع فيه.
في هذا الإطار يمكن ادراج بدء التحقيق الامني مع اعضاء مجلس نواب الشعب المجمد اعماله تمهيدا لمحاكمتهم اثر تنظيمهم لجلسة عامة صوتوا فيها على إلغاء قرارات جويلة واعتبرها الرئيس سعيد محاولة انقلاب.
يمكننا طبعا ان نتناقش طويلا وان نجد المبررات القانونية والدستورية لهذا الطرف او ذاك ولكن ألم يكن هناك طريق اخرى غير التي اختيرت لمعالجة المشكلة؟
هل كان لا بد من مثل هذه المعاملات التي سوف يكون لها التاثير السيء لامحالة في الداخل وفي الخارج حيث نحتاج الى تعزيز صورتها كدولة اختارت النهج الديمقراطي وتستحق دعم الدول المتقدمه و وقوفها الى جانبها؟
السياسه فن الممكن ولكن لا سياسه ممكنة خارج الواقع.
واقع تونس تحدده ارقام ومؤشرات تنذر باخطر التطورات في مقتبل الاشهر ان لم نقل الاسابيع، ولا خلاص لنا الا باسهام الجميع في توفير اسباب الاستقرار والسلم والتضامن والوحدة بين افراد الشعب ونبذ التفرقة والبغضاء والتصادم.
وكل ذلك لا ينفي ضروره ان تساس البلاد بأسمى القيم وارفعها وان يحارب فيها الفساد والمضاربة والاستثراء اللامشروع.
