
حين يخصص رئيس الجمهورية اجتماعا باكمله بوزير الخارجية لموضوع وحيد، حسب ما جاء في بلاغ رئاسة الجمهورية، هو رفض تدخل الدول في شؤوننا الداخليه فان ذلك يطرح اكثر من سؤال.
اولا، لماذا هذه اللاباليسية كما يقول الفرنسيون(une lapalissade ) والحال ان أمر عدم تدخل الدول في شؤون بعضها البعض يعتبر، ومنذ اكثر من قرنين من الزمن، من الحقائق البديهية التي تحكم العلاقات الدولية؟
ثانيا، واذا كان الامر يتعلق بردة فعل-وهذا ما فهمناه في الحقيقة- على تصريح الرئيس التركي اردوغان يستنكر فيه حل البرلمان التونسي- فلماذ لا يتوجه رئيس الجمهورية مباشرة الى صاحب هذا الموقف ويكون بذلك جواب رئيس على رئيس؟
ثالثا، لم تكن تركيا الدولةالوحيده التي احتجت عما يحدث في تونس، فالولايات المتحده الامريكيه وفرنسا عبرتا هما كذلك عن قلقهما الشديد وهو ما يمكن اعتباره تدخلا في شؤوننا، فلماذا تركيا بالذات؟
لنقل بوضوح:رفض التدخل الأجنبي في شؤوننا، وهو حقنا المشروع بل واجبنا الأخلاقي الوطني الأول، يعني بحكم الواقع تأكيد سيادتنا الوطنية وإظهار لها.
نحن فعلا دولة ذات سيادة، ولكن قانونيا فقط.
وهذا هو واقعنا الذي يجب أن نعيه ونعمل على أساسه ونتصرف بحكمة وموضوعية ونتجنب السقوط في أوهام القوة والغرور والكبرياء والتعجرف.
مفهوم السيادة اليوم ليس مفهوم السيادة امس. لان العولمة مرت على هذا العالم وغيرت المفاهيم.
حتى تتم السيادة لبلد ما في زمننا هذا فإنه يجب أن تتوفر له قوات ثلاث معا: عسكرية ورقمية وتجارية.
ونحن لا نملك ايا من تلك القوات فضلا عن ان نجمعها.
الزعيم بورقيبة اول وزير للخارجية في دولة الاستقلال أسس الدبلوماسية التونسية على صورة داخلية وواقعية لبلد أولوياته التعليم وتحرير المرأة والتنمية الاجتماعية وبناء دولة متضامنة شعارها الثابت الوحدة الوطنية.
الوحدة الوطنية هي أساس السيادة الحقيقة لأنها الوحيدة القادرة على انتاج القوة المعنوية او ما يسميها الفيلسوف جون جاك روسو ب”الارادة الجماعية” الدافعة للشعب والدولة نحو المثل العليا الوطنية.
ولقد نجح بورقيبة بهذا التمشي البرغماتي ان يفرض تونس رغم صغر حجمها وتواضع وزنها كقوة إيجابية مثالية في العالم فجلب لها الاحترام الدولي والتعاطف والدعم بما فيه العسكري حين اقتضى الأمر فكان يحتكم اليها ويستمع الى صوتها. وللتاريخ نقول إن المرحوم الباجي سار على خطى الزعيم واعاد لتونس شيءا من اشعاعها وحضورها الخارجي.
الحقيقة التي لايجب ان تغيب عن اذهاننا والتي لا تنفك ظواهرها وتداعياتها تتفاقم كل يوم هو ان مجتمعنا التونسي دخل في أخطر أزمة في تاريخه.
انها أزمة الجسم السياسي التونسي، أزمة التضامن بين ممثلي التوجهات والعائلات الفكرية، تضامن محلي، تضامن جهوي، تضامن وطني.
وقد نتج عن غياب هذ التضامن تراجع، وربما انتفاء لمفهوم “الولاء”-او ما كان يسميه بورقيبة بالاخلاص- للعائلة الفكرية ومنها للوطن.
صحيح ان الواقع الدولي قد تغير عما كان عليه زمن بورقيبة او بن علي اي منذ ثلاثين او أربعين سنة وان حلول مشاكل الدول لم تعد بأيدينا كلها وان الآخر أصبح فينا مثلما أصبحنا نحن في الآخر، لكن الأساس تبقى السياسة التي يجب أن تمثل الإطار الامثل لالتقاء التونسيين حول الأهداف الكبرى التي تولد ارادتهم الجماعية وتوحد رغبتهم في الإنتاج والإنجاز.
أحزاب مهمشة، مؤسسات دستورية وأولها البرلمان وقع حلها، حوارات سياسية مفقودة…
وفي الوقت ذاته أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بطالة متفاقمة، قدرة شراءية مهترئة، توتر اجتماعي محتد…
كيف بعد كل هذا ونحن نمد ايدينا للعون والاعانة نهز قطعة القماش الاحمر لنهتف بمثل كل هذا التشنج والغوغاء بعدم التدخل في شؤوننا او نتغنى بالسيادة الوطنية؟
