
رغم اننا كنا نتوقعها فان نتائج الدورة الاولى للرئاسية الفرنسية رسمت وجها لم نعرفه لفرنسا من قبل.
انه وجه بلاد متأزمه، حائرة، تبحث محمومة عن طريق الى مستقبل يجنب تخفيض رتبتها بين الأمم ويحد من تراجع مستوى عيش شعبها.ولكن ما هي أبرز ملامح هذا الوجه الجديد وكيف نقرأها؟
الملمح الأول والأبرزدون شك هو سقوط الاحزاب التقليدية التي حكمت فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عبر تنافس ثنائي بين اليمين متمثلا في الجمهوريين واليسار متمثلا في الحزب الإشتراكي.
قبل عشر سنوات استطاع الحزب الاشتراكي الذي بناه الرئيس الراحل فرنسوا ميتيرون وحزب الإتحاد من اجل الجمهوريةا الذي أسسه الرئيس الراحل جاك شيراك ان يجمعا لوحدهما 54% من الأصوات.
الأحد الماضي لم يتجاوزا مجتمعين 7%.
انتهى الدرس وانتهى العالم القديم بعد ان اعطى الناخبون 50%من اصواتهم للاحزاب المتطرفة يمينا و يسارا.
انها خيبة الأمل التي تجعل الدورة الانتخابية المقبلة مشوبة بالشك و الغموض.
الملمح الثاني يتمثل في احساس القلق الذي أصبح يحرك الفرنسيين ويجعلهم يطبعون مع أحزاب راديكالية(حزب جون جاك ميلونشون) واحزاب يمينية متطرفة(مارين لوبان و إريك زمور) ويديرون ظهورهم لقيم الجمهورية والمثل الاشتراكية التي صنعت تميز فرنسا بين الأمم.
ويعود هذا الى اسباب عديدة اهمها “الأمركنة” الزاحفة l’américanisation rampante للمجتمع الفرنسي بما يعني ذلك من تفشي ثقافة الفردية l’individualisme وافضليتها على القيم المجتمعية. وقد تحول سريعا هذا القلق الى خوف من المستقبل هيأ الارضية المناسبة لتنامي الشعبوية وبروز أحزاب متطرفة اخذت أماكن الاحزاب التقليدية في اعماق البلاد و أريافها.
الملمح الثالث يمكن ان نلمسه في تواصل ظاهرة الامتناع عن التصويت وتشكلها بمثابة “قوة” سياسية كبيرة جعلت البعض يتحدث عن الحزب الثالث في فرنسا.
انه مرض الديمقراطية التمثيلية التي دفعت بممارسة السلطة في إتجاه انفرادي أفقي جعل من رئيس الجمهورية الشخصية المحورية في المنظومة القائمة، وحد من التزام المنتخبين الممثلين للاجسام السياسية الوسيطة فتراجع إشعاع الاحزاب ولم تعد تستهوي الشباب الذي ابتعد عن العمل السياسي.
والحقيقة ان ايمانويل ماكرون الرئيس المتخلي يتحمل مسؤولية في الوجه الذي تظهر به فرنسا اليوم، فهو الذي بانتصاره السريع والمفاجىء سنة 2017 أصاب أركان الجمهورية الخامسة في مقتل حين سلب الأحزاب التقليدية وجردها من حاضنتها الشعبيه وهمشها.
وكانت النتيجه ان انهارت المنظومه الحزبيه القديمه لتعوضها منظومة ثلاثية متكونة من يسار ردكالي ويمين متطرف حول وسط بلا انتماء ولا توجه سياسي.
بهذا الوجه الجديد لا يمكن التكهن بمصير فرنسا مهد ثور 1789.
انه زمن الشك ولا أحد يعرف الى اي نتيجة ستفضي دورة 24 افريل المقبل. وقد يكون المسؤول عن وجه فرنسا الجديد هو من سيدفع الثمن.
