
حادثة غرق سفينة شحن الوقود وكانها جاءت لتذكرنا بحقيقة كثيرا ما نتغافل عنها او ننساها وهي ان لنا جارا اسمه البحر الابيض المتوسط نتقاسم معه حدودا هي الأطول والاخطر إطلاقا.
تاريخيا لم يكن البحر المتوسط رمز خير لبلادنا ولا باب بركات.
بل تكاد جل الكوارث التي حلت ببلادنا وصلتها عبر هذه الحدود المائية.
وانه لمن الغريب حقا ان تكون بلادنا التي روضت المتوسط وكانت سيدته لمرتين اثنتين اولاها زمن قرطاج وثانيها في العصر الفاطمي حيث لم تكن خشبة واحدة في البحر الا وهي لدولة الفواطم كما يؤكد ذلك العلامة ابن خلدون، قلنا من الغريب اننا نبدو اليوم وكأننا ادرنا ظهرنا لهذا البحر وأصبحنا في قطيعة تامة معه ولم يعد يهمنا أمره.
فلا سياسة بحرية تعكسها مؤسسات هامة قائمة، ولا منتزهات بحرية تجد فيها ناشئتنا معرفة وتنمية لروح المبادرة وحب ركوب البحر مثل ما هو متوفر في عديد المدن من الجانب الآخر للمتوسط، ولا ثقافة بحرية تبرزها مكتبات مختصة…
ومما يؤكد قطيعتنا الغريبة مع بحرنا ان تونس التي تتمتع بشريط بحري يفوق 1200 كلم وتحوز أغنى المناطق مواردا بحرية هي اليوم البلد المتوسطي الأقل استهلاكا للسمك هذه المادة الأساسية التي حولها ارتفاع ثمنها المشط الى سلعة كمالية لا يقدر عليها الا المترفون.
وفي الحقيقة فاننا لا تمتلك بحرنا الا على الخرائط. لا نحن نقدر هذه النعمة ولا نعرف حسن إدارتها.
والدليل: الطريقة التي نتصرف اليوم بها حيال غرق السفينة قبالة مدينة قابس والتي تهدد في كل لحظة بكارثة بيئية غير مسبوقة.
من المسؤول عن شؤون البحر في بلادنا، هل هي وزارة البيئة، ام وزارة الفلاحة، ام وزارة النقل، ام وزارة الدفاع؟
ام كل هذه الوزارات معا؟ ما نزال نتعامل مع المسألة البحرية عبر الإدارة المشتركة بين وزارات متعددة والحال ان كان من المفروض، ومنذ زمن طويل، أحداث وزارة بحر تتحمل بمسؤولية ودراية شؤون البحر، مراعاة لتاريخ البلاد وجغرافيتها، وبالنظر الى أهمية البحر حاضرا ومستقبلا.
ان المستقبل للبحر باتفاق كل الباحثين وخبراء الاستراتيجية في العالم.
البحر هو طريقنا الأزرق نحو التطور لانه يشكل الفضاء الأرحب والأنسب للتوفيق بين الإلتزامين الجوهري في كل مشروع تنموي مستقبلا: الإقتصاد والبيئة. ثم أليس بحرنا قادر على تأمين غذائنا. الا يستحق وزارة؟
