بقلم نوفل بن عيسى
ان تونس بلد لا يُحترم فيه القانون ولا يطبق وهذا ما سنٌته جمهورية بورقيبة وبن علي اذ كان يُسنٌ فيها القانون على المقاس والشرع فيها شرع الحاكم بأمره -وان كان يكن باسم الشعب- ولأدل على ذلك محكمة أمن الدولة أولى الانجازات القضائية المؤسساتية عهد الجمهورية.
ومن جملة المقاسات التي تعتمد في سن القوانين عهدي بورقيبة وبن علي ما يخدم مصالح اللوبيات التي كانت تحكم البلاد اقتصاديا ومازالت ليكون ابتزازها لطاقات البلاد ومواردها شرعيا لا يمكن أن تحاسب عليه ولو بعد سنوات حتى وان انقلب النظام وبالتالي تتمتع بحصانة دائمة ومستدامة.
وحيث أن القاضي في تونس لا يحكم بالعدل وانما يحكم بالقانون وحيث أن القوانين التي وضعت على المقاسات لم تعدل في معظمها ولم تتغير حتى بعد “الثورة المجيدة” فقسط كبير من الأحكام غير منصفة وعليه فإن القضاء في تونس جائر في جانب لا يستهان به وحين الاقتضاء يوظف كأداة قمع وتعسف كما كان الامر في عهدي بورقيبة وبن علي.
وحتى ان أنصف القضاء متظلما فهذا لا يعنى شيء اذ نصف الأحكام في تونس لا تنفذ خاصة اذا كان الخصم نافذا في الدولة والسلطة وله علاقات وطيدة بالذاوات وهذا ما تأسس منذ فجر الاستقلال ومازال على حاله واستفحل الى يوم الناس هذا بتونس.
والان وقد حل عهد شعار “الشعب يريد” صارت البلاد تحكم بالمراسيم والقرارات وجُمٌد المجلس التشريعي قبل حله واستفرد رئيس الجمهورية بالسلطات وهذا ليس بالجديد على التونسيين اذ كانت المجالس النيابية والتشريعية صورية وكان رئيس الجمهورية حاكما بأمره وكان الشعب “ينوم ويدمغج” بالشعارات من نوع “اللحاق بركب الحضارة” و”الجهاد الاكبر” و”تحقيق الاقلاع الاقتصادي” و”التغيير المبارك” و”تونس بلد الفرح الدائم” و”الشباب هو الحل” و”ولا عاش في تونس من خانها ولا من ليس من جندها” في حين ان الكثير ممن حكموا البلاد وعششوا في سلطتها وتمعشوا “خونة” وما أشبه اليوم بالبارحة!
فمنهم من يعمل لصالح الاستعمار المقنع ومانعو تحقيق السيادة الوطنية وراعي الرذائل والخطايا بالبلاد التونسية وهكذا تمكنوا من تحقيق مآربهم الشخصية واستباحة موارد البلاد المالية والفلاحية والمنجمية والاقتصادية والبشرية وهم منذ قيام جمهورية بورقيبة جاثمون على البلاد والعباد وهذا ما يفسر انه في حين حققت دول كماليزيا وكوريا الجنوبية اقلاعا اقتصاديا حقيقيا وصارت دول النمو المستدام والاختراعات والانتاج والتصنيع وبقينا في “بلد الياسمين” نجدد شعارات تنويم وتخدير الشعب وايهامه بتحقيق المستحيل وبقيت ملفات الفساد الحقيقي دفينة الرفوف ومقبورة في أروقة المحاكم وتواصل انخرام الدولة واختلال عمرانها وعمت الهمجية وبقي القانون الفعلي السائد فيها قانون الغاب إذ لا حرمة في هذا الوطن لا للقانون ولا للمؤسسات ولا للأحياء ولا للأموات فحتى المقابر مهملة من البلديات وبخاصة مقبرة الزلاج، اكبر مقابر العاصمة والبلاد، اذ صارت مصب قاذورات ومرتع فساد وموبقات…
والمسؤولون عن هذه البلاد وطالما ليست لهم حلول للأحياء فيها صاروا عبدة اصنام يترددون على مقابر “الزعماء” ويستدلون بما قيل في ازمنة ولت وانتهت وأما البسطاء من اهالي المدن والارياف فلهم في زيارة “الاولياء” أمل في تحقيق المعجزات وما وعد به السياسيون الكذابون الذين يقولون ما لا يفعلون وذاك السواد الاعظم اذ أن همهم ينحصر في الاستثراء غير المشروع عبر الاستيلاء على موارد الدولة وحتى على القروض التي تتحصل عليها.
وعليه، مازالت البلاد مستعمرة ومازال الوزراء من نوع الخائن مصطفى خزندار يرتعون ويتمعشون وما ترى في أفراد الشعب إلا “قبور ماشية” من هول القهر والقحط وضيق الحال والظلم والجهل وما مؤسسات الدولة إلا مقابر لوأد الكفاءات والافكار النيرة وتشغيل ابناء الذوات ومن لهم القدرة على الوساطات وكل من أراد الحياة بعزة وكرامة هاجر من البلاد وفضل الغربة على الاغتراب.
فلا ثقة في دولتنا ولا للدولة قدرة على ارساء العدل ولا على ضمان حياد المؤسسات وهذا ما جعل تونس الخضراء تضحى قاحلة من أمل في مستقبل أفضل يرجى ولا أمل فيها في عيش كريم وصارت المطمورة قبورا ومقابر.
