بقلم جلول بن يوسف
لم يكن رضا القلعي الذي ولد سن1931 فنانا تونسيا. رضا القلعي كان الفنان التونسي، بما تعني الكلمة من قدرة على الإبداع والتفرّد والجنون.
لنعترف أولا ان الرجل كان موهوبا وان موهبته الكبيرة عوّضت معارفه الأكاديمية التي كانت متواضعة.
بعض الدروس عند عبد العزيز جميّل الموسيقي وصانع الآلات الوترية ثم التردد على قسم سوترانا أحد الأساتذة الإيطاليين في العزف على آلة الكمنجة تبدو ضئيلة وغير كافية وحدها لتوصل رضا القلعي الى مستوى البراعة التي وصله والقدرة التي حازها على التعبير والتصوير والزخرفة بآلة الكمنجة.
لقد كان رضا القلعي منذ نعومة اظفاره يلتقط الألحان ويختزنها في ذاكرته وخياله وكان لا يملّ من الإستماع الى كبار مغنيي المشرق والمغرب التي كانت أغانيهم تملأ شوارع العاصمة في فترة ما بين الحربين وبعدها، كما لم يكن يفوّت فلما واحدا من أفلام الكوميديا الغنائية الواردة من مصر في الخمسينات والستينات. لذلك كانت أولى ألحانه وأغانيه تحمل آثار التأثر البارز بنجوم الغناء في مصر وخصوصا منهم فريد الأطرش. لكن سريعا ما عاد الى المسار الصحيح وانجز الحانا تونسية مغنا ونغما والّف ولحّن أجمل الاغاني التونسية لأكبر وابرز فناني تونس، وهي الاغاني التي ماتزال الأجيال تتعاقب علي الاستمتاع لها والاستمتاع بها.
لم يكن رضا القلعي موسيقا فنانا يكتب ويلحّن ويؤدي ويعزف ويقود الاركستر وحسب، بل كان ايضا فنانا مؤسسا كوّن فرقة المنار وجعل منها حاضنة للواهب الشابة آنذاك والتي تحولت سريعا الى نجوم اضاءت سماء تونس بابداعاتها التي ساهمت في انشاء مدونة غنائية ولحنية مستحدثة دعّمت بناء الشخصية التونسية في السنوات الأولى من الاستقلال. الهادي القلال، الهادي المقراني، علية، صفية الشامية، نعمة، محمد الأحمر…
كل هؤلاء وغيرهم تخرجوا على يد رضاء القلعي الذي مكنهم من الشهرة والأنتشار بفضل فرقة المنار التي ارادها حاملة لواء الفن التونسي في كامل تراب البلاد وخارجها.
كان رضا القلعي محبا لفنه حدّ الجنون. ويظهر هذا في سيرته المليئة بالأحداث ولكن وخصوصا في انتاجاته المتميّزة بالجرأة، والخروج عن المألوف، وكسر القوالب السائدة، والبحث عن عنصر المفاجأة سوى بالجملة اللحنيّةّ المبتكرة أو باستخدام الآلات الغربية في التخت الشرقي التقليدي.
ويبقى ابدا العازف الساحر الذي ما ان يمسك بكمنجاته حتى يمتزج بها فيصبحان كائنا واحدا وتلد الألحان فراشاتٍ طائرةً في سماء تونس الجميلة.
رحم الله الفنان المبدع رضاء القلعي الذي فارقنا في مثل هذا اليوم من سنة 2004.
