
مهما كان عدد المتظاهرين الذي شكل دوما مسألة خلاف وجدل بين الأنصار والخصوم فإن المعارضين الذين خرجوا امس الأحد بشارع بورقيبة حققوا اهدافا عديدة ومهمة سيكون لها الأثر على التطورات المقبلة.
أول هذه الأهداف هو بالتحديد شارع بورقيبة الذي مثل السماح بالتظاهر به انتصارا على السلطة القائمة التي سقطت في فخ تناقضاتها حين أعلنت منع التظاهر بهذا الشارع-الرمز لغير الأنشطة الثقافية ثم سمحت لانصار الرّئيس سعيّد بالتظاهر الاحد 8 ماي، واضعة نفسها في وضع من يكيل جهارا بمكيالين.
الهدف الثاني يتمثل في المظاهرة نفسها والتي أكدت بما لم يعد يدعو للشك ان الرئيس الذي لم يقف ضده عقب 25 جويلة غير بعض المجموعات أصبح اليوم يواجه تيارا معارضا لا ينفك يزداد يوما بعد يوم قوة وتنظيما واندماجا وحضورا في الداخل والخارج.
الهدف الثالث الذي حققه المتظاهرون هو رفعهم سقف مطالبهم عبر الشعارات التي أطلقواها والتي تجاوزت هذه المرة مطالب استعادة النظام الدستوري الى إيقاف تدهور الحالة الاقتصادية وتنصيع صورة البلاد وخصوصا المطالبة برحيل قيس سعّيد.
هذا المطلب يبدو دون شك غير واقعي لان الرئيس منتخب انتخابا شرعيا قويا، ولكن اذا اعتبرنا أن أمور البلاد أوكلت الكلمة فيها للشارع حيث يُتصوّر ان ارادة الشعب تتجلّى فيه وليس في المؤسسات، فلا عجب بعد ذلك ان يحدث اي شئ باسم “الشعب يريد”، وكم رأينا منذ 14 جانفي 2011 هذا الشعب يريد شيئا ثم يرجع ليطلب عكسه.مظاهرة أمس لم تكن كالمظاهرات التي سبقتها.
إنها تحمل دلالات يجب على الرئيس سعّيد الماسك بكل خيوط السلطة التي فوضها لنفسه ان يلتقط معانيها ومخاطرها.
ولعل الدلالة الاهمّ ان التونسيين اليوم مقسمين الى فئتين متعارضتين وان الرئيس سعيّد هو المسؤول عن هذا التقسيم الذي يتعمق باستمرار منذرا باخطر العواقب. عشرة أشهر مرت على قرارات 25 جويلية التي وضعت البلاد في حالة استثنائيه ولم يكشف الرئيس سعيّد بعد عن أي مشروع بديل يطرحه لحوار حقيقي وفي مستوى التحديات التي تفرضها قرارات في حجم تجميد ثم حلّ البرلمان او تشكيل حكومة دون أي رأي لأي مؤسسة تمثيلية غير التقرير الشخصي للرئيس، أو إعادة توجيه السياسة الخارجية للبلاد على غير أسسها الأصلية…
كل هذا الانفراد بالسلطة وان صُبغ بقيم النظافة والنزاهة والاستقامة لا بد أن يكون له ثمن وتداعيات لا سيما في وضع عالمي تسومه الحروب وتميزه المصاعب الاقتصادية، لانه لم يثمر أي نتائج ملموسة ان لم نقل ان مكاسب عديدة على درب تحقيق العملية الديمقراطية وأوله مكسب حرية الصحافة قد عرفت تراجع ملحوظا كما برز ذلك من خلال تراجع تونس ب21 مرتبة في تصنيف “مبروك بلا حدود للسنة الحالية.
نعم كل ذلك له ثمن يُدفع من صورة البلاد ومن ثمة من مصداقيتها ومن ثمة من جدارتها الائتمانية او جلب الاستثمارات و من قدرتها على لعب التاثير على الساحة الدولية.
الشارع ليس ُمعطى سياسي ثابت لانه متقلب سريع التأثّر ومظاهرة الأمس بما رُفع فيها من شعارات تؤكد ان البلاد دخلت منعرجا زلوقا يجب الخروج منه سريعا.
كيف؟ بالحوار طبعا ولا شيء آخر خير الحوار.
والرئيس والرئيس وحده هو الذي يمتلك هذه الورقة التي فيها نجاة تونس.
الحوار لا يكون حوارا اذا لم يكن شاملا وجامعا.
لأن الفائدة ليس في الحوار مع الموالين بل مع الخصوم.
