
في كل البلدان الديمقراطيه -وحتى الأقل ديمقراطيه-توجد مؤسسات في مختلف المجالات العلمية سواء أتعلق الأمر بالعلوم الصلبة أو الانسانية، أو التقنية أو البيئية وغيرها من حقول المعرفة التقليدية والمستحدثة، تجمع المختصين وأهل الذّكر للتدارس المستمر وتبادل الرأي وتداول الأفكار إثراءً للمضامين والمحتويات وتوسيعا لنطاق الاسهام والمشاركة.
وتتولى هذه المؤسسات تنظيم الملتقيات والندوات الدورية ونشر البحوث وإصدار الكتب وما الى ذلك من الأنشطة التي توسّع دائرة التفكير وتعزز الوعي وتنمّي الثقافة السياسية لدى عموم المواطنين .
خُذ لك مثلا مجال القانون الدستوري الذي تحوّل في بلادنا منذ قيام الثورة الى فضاءٍ لمجابهات بين أستاذة ومدرّسي مادة القانون الدستوري في الجامعات التونسية، قبل أن يصبح منذ انتخابات 2019 ثم، وخصوصا منذ 25 جويلية الماضي، حلبةً لصراعات ومنازعاتٍ لم تُخف ما يقرّب هؤلاء المختصين بعضهم من بعض من مصالح وفوائد آنيّة وما يفرقهم من احقادٍ قديمة وغِيرة أشعلت حروب الكنائس الدستورية guerres de chapelles وعمّقت الفوضى في العقول والحيرة في الأنفس.
وظهرت عشائر ومجموعات (دستورية) متعارضة واخرى متنازعة وكل مجموعة لديها تفسيراتها وتاويلاتها.
في فرنسا حيث درس كبار مختصّينا وجباهذة القانون الدستوري عندنا، توجد منذ عقود طويلة مؤسسات وهياكل تعمل على تحقيق الاتساق والتواؤم بين مختلف ما ينجز من بحوث وأعمال والتفاهم والتوافق بين أهل الاختصاص، فلا يتركون في نزاع متواصل يعطل التقدم المعرفي ولا في وضع كل واحد “يغني على ليلاه”.
ومن تلك المؤسسات “دائرة خبراء القانون الدستوري” cercle des constitutionnalistes وتهدف في جملة ما تهدف الى النهوض بالمعرفة في مجال القانون الدستوري عبر تنظيم الأنشطة والتظاهرات الفكرية المفتوحة لممثلي المؤسسات الوطنية والمفكرين وعموم المتدخلين حتى لا يبقى أمر الثقافة القانونية الدستورية مقتصرا على بعض المختصّين، وتدعم حركة التأليف النشرفي المجال.
طبعا- وللأسف- لا يمكن تصوّر إنشاء مثل هذه المؤسسات في بلادنا المصابة نخبها في السلطة كانت أو خارجها بالغرور وانتفاخ الأنا ومرض “من رأسي تقرع”.
ولقد أدت هذه المساوئ إلى الفشل الذريع المتمثل في العجز عن تشكيل المحكمة الدستورية وما يسببه اليوم هذا الفراغ المؤسساتي من انقسامات مستمرة وخلافات واختلافات بعضها حقيقي وبعضها الآخر مفتعل قد تلهب في اي لحظة نار التصادم والعنف، فضلا على كونها تضرب اي مشروع سياسي في مصداقيته.
وبالرجوع الى مشروع الدستور الجديد الذي اوكل الرئيس مسؤولية كتابته الى لجنة يرأسها أحد أعلام القانون الدستوري الاستاذ الصادق بلعيد، أطرح هذا السؤال:
هل كتابة الدستور مجرد مسألة تقنية يقوم بها مختصون، ام هي عملية وطنية اكبر من ذلك بكثير؟
اتذكر هنا ما قالته اولمب دي غوج Olympe de Gouges أولى الثوريّات في فرنسا ومحررة إعلان حقوق الإنسان والمواطن، قالت في مذكراتها هذه الجملة:”لا قيمة للدستور إذا لم تتعاون أغلبية أفراد الأمة على تحريره”.
