
هذه المرّة لم يقم رئيس الجمهورية قيس سعيّد بهفوة جديدة حين أقال 57 قاضية وقاضيا. لقد ارتكب خطأً جسيما.
بل إنه الخطأ الذي لا يجب ارتكابه في هذا الوقت بالذات الذي تستعد فيه البلاد لاستحقاقات كبرى، وخاصة بالطريقة التي ارتكبه بها.
هو خطأ لأكثر من اعتبار وسبب:
أولا لأن كل قضاة العالم، والأمر لا يتعلق فقط بتونس، مثلهم مثل نواب الشعب ورؤساء الجمهورية، يتمتعون بالحصانة بحكم ممارستهم لوظائف أو لمهام عالية وخطيرة (بمعنى الأهمية)، أو لأنهم يمثلون الشعب أو جزءً منه عبر العملية الانتخابية التي تبقى عملية مقدسة اعتبارا ان صوت الشعب هو بمثابة “صوت الر ّب كما يقول الرومان (vox populi, vox dei).
ثانيا لأنه، واعتمادا على ما سبق، وبغضّ النظر عن وجاهة قرار العزل من عدمه، فإن الشكل الذي تمّ به سيىء يحيل على ممارسات حكام جمهوريات الموز، ممارسات لم نعرف لها مثلا من قبل في تونس لا مع بورقيبة ولا مع بن علي الّذين لم يكونا رغم ما كان لهما من سلطة في زمن لم يعد هو الزمن ان يُعلنا بنفسيهما إقالة مسؤولين في مستوى قضاة على التلفزة والرّمي بشرف بعضهم- أو بعضهن-للكلاب.
ثالثا لأن هذه الإقالة لم تأت معزولةً وإنما سبقها حدثٌ متّصل لا يقل خطورة، لا سيما في بعده السياسي، تمثل في حلّ المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بمجلس أعضاؤه معيّنون من طرف رئيس الجمهورية رأسا أو بطريقة غير مباشرة. واذا أضفنا الى كل ذلك تنحيّة الهيئة العليا للانتخابات لتنصيب هيئة مكانها اختارها الرئيس فإن الفاتورة تصبح ثقيلة والأمر يتّخذ منحا شخصيا تفوح منه ارادة كبح جماح كل ذي رأى مخالف واعادته الى”الصواب” في فترة انتخابية.
لنعد الى جوهر الخطأ في عملية إقالة القضاة لطرح هذا السؤال البديهي: كيف يمكن عزل مسؤولين في مناصب عليا، ناهيك عن قضاة، دون محاسبتهم محاسبة عادلة توفّر لهم حقّ الطعن و شروط الدفاع عن النفس؟
المحاسبة،المحاسبة! هكذا أصبح ينطق الشارع بنداءات أبعد ما تكون عن التلقائية. لتكن اذن المحاسبة، ولكن على اية أساس، وبأية آليات ما دام القاضي يُعزل دون أن يسأل وقبل أن يُسأل؟ أليس القضاء السلطة الأعلى ام أن ما تعلمناه كان خطأً؟
شخصيا اذكر مما تعلمته هذه الجملة لصاحب التفريق بين السّلط مونتاسكيو Montesquieu الذي يقول:” العدالة تكمن في القياس بين الخطأ والعقاب، والعدالة المتطرفة إهانة للعدالة”.
تعلمنا كذلك ان للرؤساء بطانة تعينهم وتنيرهم وترشدهم. فاين هم مستشارو رئيسنا ليذكروه ان امور الدولة تدار باكثر مهارة ومرونة ودون صدام ولا كسر في بلاد ثار الناس فيه على حاكمهم؟ معاوية ابن ابي سفيان كان يقول:”بيني وبين الناس شعرة…”
