
لا أقول إن للسّلطة الحاكمة الحق الكامل في استغلال نجاح بطلة وصلت إلى قمّة العالم في مآرب سياسية، ولكن ذلك يبقى من الجائز ومن الممارسة المعتادة حتى في أعرق الدول وأرسخها قدما في الديمقراطية .
المشكلة ليست في الاستغلال وانّما في طريقة الاستغلال التي يجب ان تكون ذكيّة في منهجها وعلى قدْر كبير من الرقّة واللباقة في اسلوبها ، والاّ فإن النتيجة المعاكسة للهدف المنشود هي التي تحصل.
وهذا ما حصل مع لاعبة التنس البطلة العالمية أنس جابر.
التخبّطات انطلقت بوصول البطلة الى تونس والاستقبال الفوضوي الذي أُعدّ لها في المطار وكان انموذجا في الارتجال وانعدام التنظيم.
بعد ذلك لم ينتظر كبار المسؤولين كثيرا ليخرجوا عن مقتضيات الاتّزان والاعتدال، وأعلن السيد وزير الشباب والطفولة على أمواج إذاعة موزاييك أن الاحتفال بالبطلة الوطنية متواصل وأن التفكير جارٍ لإصدار طابع بريدي يحمل صورتها واسمها، وإن إحدى طائرات اسطول تونس الجوّية ستحمل صورتها، وان إحدى البواخر ستحذي حذوها، وأن وزارات أخرى ومؤسسات رسمية ستقوم كل حسب خصوصياتها ببادرة للاشادة بالبطلة وتكريمها، من ذلك أن وزارة الشؤون الثقافية خصصت افتتاح مهرجان قرطاج لتقديم أنس جابر والتوجه بالتحية والاجلال لها.
وتمثّل الحدث الأبرز في هذه الاحتفالات في استقبال رئيس الجمهورية للبطلة في قصر الجمهورية وتوسيمها.
وكان يجب أن تقف الامور عند ذلك الحدّ لأن لا مزايدة على رئيس الدولة. لكن المتملّقين واللاعقين والمتشعبطين ممن نصّبوا أنفسهم أولياء على استفتاء 25 جويلية لم ينتبهوا الى انقلاب الأشياء فارادوا الدفع بالبطلة الى التصريح بالموقف الذي يريدونه فكان الخطأ وكانت النتيجة العكسية.
لاول مرة منذ أن كسبت مكانتها كبطلة عالمية اضطرت أنس جابر ان تتخذ موقفا سلبيا وتلجأ الى التكذيب، وكانت عوّدتنا قبل ذلك بالالتزام باللطف والمرونة والتسامح مع الصديق والمنافس على حدّ السواء. الواضح انها انتبهت- او نبّهوها-الى انه وقع اسقاطها في فخ الاستغلال السياسي بطريقة مفضوحة تكاد تكون بدائية فأدركت الخطر على مستقبلها الرياضي وانتفضت.
بين السياسة ولعبة التنّس نقطة تشابه كبيرة:هي الكياسة. في القول والتصرف بالنسبة للأولى وفي اللمس والوقفة بالنسبة للثانية. لقد وقع التعامل بسوء تقدير كبير مع أنس جابر وتقييم خاطيء فيه كثير من المبالغة والإفراط.
والحقيقة أن البطلة رغم نتائجها الباهرة وترتيبها المتميز ما تزال في بداية الطريق تبحث عن احراز أول لقب كبير أو ما يسمى ب”السلام الأكبر” le grand chelem أحد الأربعة ألقاب العالمية ومنها وينبلدن التي فشلت في الظفر به منذ ايام قليلة. من هذا المنطلق تبدو الاحتفالات والتظاهرات والتكريمات التي نُظمت لها لا تخلو من مغالطة وخطورة.
مغالطة،أولا، لأن أنس جابر ليست بعدُ في المستوى التاريخي لسيرينا ويليامس الأمريكية مثلا، أو الامريكية الأخرى مارتينا نافراتيلوفا، أو الألمانية ستافي غراف…، وهي ما تزال تسعى للوصول الى القمة وعلينا أن ندعمها بواقعية وتعقّل ومسؤولية فلا نعاملها وكأنها أصبحت بطلة العالم فنظهر بمظهر الشعب السخيف الباحث عن أمجاد وهمية أو نصف حقيقية.
وخطورة، ثانيا، لان بمثل هذا التصرّف الّاواعي نسلّط عليها ضغطا رهيبا لن تستطيع بعده اللعب بما يجب من هدوء وأريحيّة لازمين في مستوى التنّس العالمي الذي تمارسه.
وفي كلمة واحدة فإن خير استغلال، بما فيه السياسي، لأنس جابر هو تركها تواصل انتصارتها. لذلك نقول:دعوها تلعب في ميدانها الحقيقي.ملعب التنّس.
