بقلم جلول الزغلامي
هي ليست مجرد هزيمة. هي فضيحة مدوّية. هي كارثة.
تونس، البلد الأكبر تتويجا إفريقيا في كرة اليد تنهزم أمام المغرب وتخرج خاوية الوفاض من الدورة 25 لبطولة إفريقيا.
ومما يزيد من وقع الكارثة على نفوس التونسيين أن بلادهم لم تغب عن منصة التتويج منذ بعث بطولة إفريقيا لكرة اليد للرجال سنة 1974. وها هي تغيب هذه المرة، بعد مشاركة غير ثابتة وغير مستقرة رأينا خلالها قليلا من الأشياء المرْضية وكثيرا مما يثير الحيرة والغضب.
كيف حصل هذا الفشل الساحق، وكيف وصلت تونس إلى مثل هذا التدنّي في النتائج والمستوى، ومن المسؤول؟ وما العمل لإيقاف هذا السقوط؟
لنُذكّر أولا ان رياضة كرة اليد هي بلا منازع اللعبة الشعبية الأولى في تونس بعد كرة القدم. فقد شغُف بها التونسيون منذ فجر الاستقلال وتعلقوا بها لما تتميز به من مزايا عديده تجعلها قريبة لقلوبهم. ومن تلك المزايا أن كرة اليد مثل كرة القدم رياضة جماعية تتطلب الالتزام وحسّ الانتماء، كما أنها تفرض الانضباط وبذل الجهد والتحلّي بالرّوح الانتصارية وعدم الاستسلام حتى أمام أكبر المنافسين. ومما يزيد من من انجذاب التونسيين الى رياضة كرة اليد أنها لعبة غير مُكلفة على مستوى البنية التحتية، وهو ما سهّل انتشارها داخل البلاد فبرزت فرق رجالية ونسائية أثرت الفريق الوطني بأبطال كثيرين سجلوا اسمائهم في التاريخ باحرف من ذهب، ومن بين هؤلاء من صنع مجد أعرق الفرق الأوروبية في فرنسا والمانيا وإسبانيا فضلا عن بلدان الخليج العربي. تذكّروا هيكل مقنّم وعصام تاج ومروان مقايز ووسيم هلال ووسام حمام وذاكر السبوعي وسليم الهدوي وانور عياد ومحمد المسعودي ووسام بوسنينة وصحبي صيود وغيرهم. أين هم، أين غابوا، وهل ضاعت تجاربهم وخبراتهم أدراج الرياح؟
ولنُذكّر كذلك ان تونس بلغت سنه 2005 المركز الرابع عالميا، وهو ترتيب لم يبلغه اي فريق عربي أو إفريقي من قبل، ليبدأ بعد ذلك التراجع في الوقت الذي كان من المفروض ان يعمل الجميع على تثبيت هذا المكسب وتثمينه وتحسينه.
يوم أمس الاثنين 18 جويلية مثّل في العاصمة المصرية نقطة الانهيار في تاريخ كرة اليد التونسية. ليس فقط لأننا انهزمنا مرة اخرى أمام مصر، ولكن لأننا اظهرنا قابليتنا للهزيمة التي تدخل دائما من باب الشكّ السلبي واستصغار النفس واستعدادها للإستكانة والإستقالة أمام المسؤولية. ويتولّد عن هذا الوضع النفساني أخطر المخاطر المتمثل في الإصابة بعقدة الهزيمة التي يستعصي بعدها النهوض ومجابهة المستقبل وتسجيل الانتصارات قبل القيام بعملية تقييم واسعة وعميقة وموضوعية، وتحميل كل ذي مسؤول مسؤوليته، ثم التعجيل ببدء عملية علاج واستشفاء.
لقد تأخرنا كثيرا في اتخاذ ما يجب اتخاذه من قرارات تُعيدنا الى مكانتنا الطبيعية بين أمم كرة اليد، وها نحن بعد عقدة مصر نُصاب اليوم بعقدة جديدة ثانية كنا نظنها مستحيلة، هي عقدة المغرب.
انها جريمة، ليس فقط في حقّ كرة اليد التونسية، وانما في حقّ البلاد كلها، جريمة إهمال وسوء إدارةٍ يجوز ملاحقة أصحابها أمام الراي العام الوطني بل وأمام القضاء.
والمسؤولون ثلاثة، أوّلهم المدرّب الوطني الذي أظهر عدم كفاءة وسوء تدبير. وثانيهم رئيس الجامعة العائد لنفس رئاسة الجامعة التي تحملها في الماضي بنفس عقليّة المراوغة والتهّرب من مجابهة مسؤولياته. وثالثهم وزير الشباب والرياضة الذي يتحمل مسؤولية هذا الفشل المدوي كاملا، بالإضافة إلى مسؤولية اخرى لا تقلّ خطورة بل وربما تتجاوزها، وهي التراخي في تقديم ترشّح تونس لاحتضان الدورة المقبلة ال26 لنفس كأس إفريقيا لكرة اليد والتي آلت الى مصر مرة أخرى على التوالي، ما يعني تقريبا هزيمة اخرى لتونس سنة 2004 وتراجعها أكثر على الساحة الأفريقية والدولية. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل عدم تقديم ترشّيح تونس كان أمرا مدبّرا أم هو فقط نتيجة إهمال ولامبالاة؟ إن كان السبب الأول فتلك مصيبة وان كان السبب الثاني فالمصيبة أعظم.
ان صورة كرة اليد التونسية، وبالنتيجة صورة شبابها وسمعته، في اليوم على المحك.
والتونسيون لهم الحق ان يعرفوا.
