بقلم : نور الدين الهمامي

“تائهون”, هكذا في صيغة الجمع و بلا تعريف يلقي بنا المخرج نزار السّعيدي والدّراماتورج عبد الحليم المسعودي في التّيه المعمّم تيه الشّخوص و تيه المتفرّج أمام ركح خال يلفّه السّواد, سواد حمله النّصف الثّاني من العنوان الذي ورد باللّغة الأنجليزيّة و يعني “الجانب المظلم” و كأنّ العنوان الأعجميّ أضيف كي يضيف دفعة باتّجاه التّيه.

تنطلق المسرحيّة بحدث مدوّ. فتاة تقتل أمّها في الواقع الماديّ وتنشر اعترافاتها على العالم الافتراضي قبل أن ينتهي التّحقيق في الجريمة لتحوّل فعلتها إلى قضيّة رأي عامّ. و إذا نظرنا إلى الجريمة من جانبها الشكليّ / الدّعائي تحديدا نقف على المفارقة التي تعيشها الفتاة بين الرّغبة في التّواصل عبر الشبكات الاجتماعيّة الافتراضيّة مقابل النزوع إلى القطيعة في الواقع الاجتماعيّ المادي و قد أحسن المخرج التّعبير عن هذه المفارقة بجعل البطلة حاضرة افتراضيّا في العرض و غائبة عنه ماديّا
لتهيمن على الزّمن المسرحيّ بالغياب فكلّ ما يدور على الرّكح هي مداره و منتهاه. إشراق اسم ليس لصاحبته منه نصيب فخلف إشراقها يختفي الجانب المظلم لجيل كامل كان قد عبّر عن نفسه بنفسه سياسيّا و اجتماعيّا بشعاراته الخالية من النفاق الخطابي و التأنق اللّغوي و أطلق على نفسه تسمية “الجيل الخطأ” جيل الرّفض و التحدّي و الخروج عن السّلطة القهريّة فإشراق لم تكتف بقتل أمّها بل ضاعفت جريمتها بقتل أستاذها لتضرب سلطتين تربويتين العائلة و المدرسة بما هما مؤسّستان للتدجين والتّرويض و بما هما مؤسّستان راهنت عليهما الدولة الحديثة لبناء مشروعها المجتمعي ثمّ تقهقرت في الطّريق و تركتهما في العراء و للعراء فلا العائلة ظلّت على تماسكها لتجابه التحوّلات الجديدة في العالم و لا المدرسة طوّرت مناهجها لتواكب العصر و منتجاته و مقتضياته فتاه الجيل و تاهت الدّولة و آن موعد المواجهة وانتشرت على الجدران عبارة الرّفض الشّهيرة المختزلة و المكثّفة لكلّ عناوين الغضب: Fuck the system .
كانت جريمة إشراق حدثا قادحا انطلق منه العمل لتشريح الجسد المنهك المسمّى وطنا و فتح جراحه وفضح علله. أ مازال الوطن يستحقّ منّا أن نموت مرّتين كي يحيا؟
أ مازال ممكنا أن نعلّم أبناءنا فخر الانتماء؟
أنسمّي وطنا الوطن الذّي يقتل أبناءه كلّ يوم تهميشا و تفقيرا و تجويعا و تجهيلا و تعمية وتعتيما…؟ أ نسمّي وطنا الوطن الذّي صار غنيمة للدّاخل و الخارج؟
أنسمّي وطنا الوطن الذّي يراهن على شبابه في الشّعار و يقتلهم على الأرض؟
لقد صاح أبو العتاهية يوما “روائح الجنّة في الشّباب”, حتّى ذاك الشّاعر البكّاء المتشائم كان يرى الأمل و النّور و الحياة و الحيويّة في الشّباب فمن يخبره بأنّ الشّباب صار يحمل روائح جهنّم و يصلى نار الجحيم و ينعم بالبطالة و يحلم بقوارب الموت و يحيا على هامش الفعل؟ من يخبره أنّ الشّباب يموت إذا لم يكن يجيد العوم؟ من يخبره أنّ للشباب -على الورق – حريّة الضّمير و له -على الأرض- السجن من أجل سيجارة محشوّة أو إفطار في شهر الصّيام أو نشر أغنية أو محاكاة سورة ؟ من يخبره أنّ ثورة الشّباب قد برك عليها الشّيوخ؟ من يخبره أنّ شيخ الشّيوخ نصح يوما الشباب المدجّج بالشّهائد بتعلّم صنعة يتقوّت منها وأنّ الصّنائع عديدة – و على رأسها الجهاد – لو أنّ الشّباب يتبصّر؟
إن كان من تيمة يمكن أن تتمحور حولها الخيارات الجماليّة و الدراماتورجيّة و الإخراجيّة في العرض فهي تيمة “المواجهة”. فقد سعى المخرج نزار السعيدي و الدّراماتورج عبد الحليم المسعودي إلى مواجهتنا بحقيقتنا الدمويّة بلا تزويق و لا تخفيف فانطلقت المسرحيّة بإلقاء الجريمة في وجوهنا عبر المصدح حتّى لا يتعلّل أحد بأنّه لم يسمع. إشراق أيضا اختارت المواجهة عبر العالم الموازي ففي هذا العالم يتواجد الجمهور بكثافة أكبر و قد صار سوقا لتبادل التهاني و التعازي و الأخبار و المشاعر العدائيّة أو الحميميّة بينما ساد الصّمت والموات العالم الحقيقيّ.
ليس للجريمة قيمة في ذاتها فهي حدث عابر في سوق الخسارات اليوميّة التّي تحوّلت فيها أخبار الموت إلى مادّة إعلاميّة تلقى في وجوهنا بنفس البرود الذّي تلقى به أخبار البورصة أو أخبار الثقافة وبنفس النّغمة تقريبا حتّى صارت “سيّداتي آنساتي سادتي على وزن لعنة الله عليكم جميعا” وفق استعارة لعبارات الشّاعر الرّاحل محمّد الصغيّر أولاد أحمد.
قلت لا قيمة للجريمة في ذاتها هي فقط مناسبة كي نواجه بعضنا بعضا و نتدافع اجتماعيّا و افتراضيّا كما نفعل مع كلّ ما يطرح علينا للنّقاش و يفرض علينا فرضا, وهو ما لمسناه في المسرحيّة إذ تحوّل الحدث إلى فرصة للمواجهة فرغم أنّ الشخصيّات سبع فلم نرها مجتمعة إلّا وهي تحيّي الجمهور و في ما عدا تلك اللّحظة كان حضورها غالبا في شكل ثنائيّات تتواجه و يفضح بعضها بعضا و يعرّي زيفه فشهدنا مواجهة أمنيّ المنظومة القديمة سي الحبيب (جمال ساسي) في مواجهة أمنيّ المنظومة الجديدة سي الصّادق (الصادق الطرابلسي ) فإذا الاختلاف لا يعدو الشّعار بينما الممارسة واحدة حيث كشفت مواجهة سي الصّادق مع الشّاب نيرون ( علي بن سعيد) لاحقا وجها قبيحا و عنيفا قولا و فعلا وفضحت زيف شعارات الأمن الجمهوري و العقلية الجديدة و المقاربة التي تدّعي مراعاة الحقوق و الحريّات وبالمقابل كشفت هذه المواجهة بين الصّادق و نيرون عن الوجه الحقيقي لجيل لم تعد ترهبه عصا السّلطة فقد عكس نيرون- بهيئته المتفرّدة و المتمرّدة و بأوشامه و خواتمه وببنيته المتمايلة و لكنته الغامضة ومنطوقه الغريب وصوته العميق- صورة الجيل الخطأ جيل لا يرهب و لا يستسلم جيل يتحدّى و يواجه السّلطة بما يليق بها مختزلا شعار إشراق و شعار جيله المتمرّد بقوله على لسانها :
Fuck the system
و تستمرّ المواجهات كمواجهة الأستاذ زهومة (محمد شعبان) للمحامية نجلاء دودش (انتصار العيساوي) ليفضح انتهازيّتها و تفضح جبنه ومواجهة المحامية للإعلاميّة التي فضحت زيف مجال الإعلام و انحرافه عن دوره التنويريّ و انجراره إلى مستنقع البوز حيث يصبح تجميع المشاهدين هدفا أساسيّا حتّى تتكدّس الأرباح عند المستشهرين ولو كان ذلك على حساب القضايا الحقيقيّة ثمّ تأتي مواجهة والد إشراق المزاودي ضحضاح (رمزي عزيز) للإعلاميّة التي لم ينزل ضيفا على برنامجها تكريما لفنّه المهمّش و المنبوذ رسميّا و المُتَعَالَى عليه من طرف الانتيليجنسيا بل يزورها لأنّه نجم إعلاميّ , نعم في إعلام البوز يمكنك أن تصبح نجما لأنّك والد قاتلة. وكم صنع إعلامنا من نجوم بلا منجز سوى الفضيحة؟
ثمّة نوع آخر من المواجهات هو مواجهة الذّات عبر جملة من المونولوجات كذاك الذّي جلد فيه الأستاذ زهومة نفسه وفضح فيه نهمه للحم ” الزّهومة بالدارجة التونسيّة” في عمليّة تنقية للذّات استعدادا للموت القادم أو ذاك الذّي ظهر فيه الشّاب نيرون بمكبّرة على العين يعزل فيها نفسه عن العالم الخارجي و يهمهم مع الذّات التّائهة …
المواجهة كانت أيضا خيارا سينوغرافيّا حيث تركّزت في أعلى الركح شاشة تواجه الجمهور وفتحة في الخلف يصرّ المخرج على توجيهنا إليهما من خلال الممثّلين الذّين يوجهون أنظارهم إليها لنسترشد بهم ونرى ما يرون: فتاة تغطّى نصف وجهها كاميرا تحجب ملامحها أو جسدا عابرا في أقصى الرّكح أو فراغا يعمّق التّيه. ثمّة أيضا ركح خلا من الدّيكور لكنّ المخرج يفرض علينا كرسيّا أحمر قانيا حمرة الدّم يضعه الممثّل في مواجهة الجمهور هو كرسيّ مواجهة الجمهور حين جلس عليه الضّحضاح معرفا بنفسه وبصلته بالهالكة وتاريخهما المشترك وإهمالهما المشترك للجانية. وهو كرسيّ الاعتراف حين جلس عليه سي زهومة كما لو أنّه أمام طبيب نفسيّ يتعرّى أمامه ويكشف عقده الدّفينة.
تائهون صرخة وجب الإنصات إليها لأنّها تسلّط الضّوء على القلب النّابض لكلّ بلد: شبابه و إذا كان الشّباب سابقا قد ثار على النّظم بانفتاحه على نظريّات إنسانيّة كبرى كالايديولوجيا الماركسيّة أو القوميّة أو بعض التجارب أو الحركات التحرّريّة و الشّخصيّات و استلهم نضالاته من شباب ماي 1968 أو تشبّه بجيفارا وغيره من الشخصيّات الثائرة فإنّ الفراغ المعرفيّ و الأيديولوجي الذّي يحيط به اليوم مضافا إليه سجن العالم الافتراضي و ألغامه يجعل من غضبته -إذا أتت – قنبلة لن تبقي و لن تذر. هي أيضا صرخة ضدّ الاستسهال فهي تفتح جرحا غائرا قد يذهب الظنّ ببعضهم إلى أنّ علاجه بعلاج هذا الجيل فحسب بل يتعدّاه إلى علاج الدّولة ذاتها فقد صار لزاما إعادة تشكيلها بعد أن هوت بها أيادي ساستها إلى قاع الحضيض.
