
دون استبعاد احتمال العمليات الاجرامية فإن ارتفاع عدد الحرائق سواء أكانت في الحقول أم في الغابات، يؤكد ظاهرة ثقيلة يتوجّب سريعا التعامل-وربما التعايش- معها والعمل على معالجتها وإيجاد الحلول الكفيله بالحدّ منها واحتوائها.
عزاؤنا الصغير، وربما الوحيد، أن هذه الظاهرة لا تمسّ تونس وحسب، وانما هي منتشره في كل او جلّ بقاع العالم، في استراليا والولايات المتحده الامريكيه واوروبا…، وغيرها من مناطق العالم. فرغم إنكار بعض كبار زعماء هذا العالم خدمة لمصالحهم المعلومة، فان كارثة الحرائق هي بلا منازع أحد نتائج التغيير المناخي الذي اصبح يهدد وجود الانسان على وجه الارض.
ولنعد الى “تونس الخضراء”. يذكر أكثر من مصدر تاريخي أن تونس سُمّيت بالخضراء لتميّزها بدوام الاخضرار الذي يأتيها من كثافة الصنوبريات وبساتين الزيتون والقوارص التي لا تسقط خضرتها على مدار الفصول.
ولقد أدرك بناة الدولة الحديثة اهمية التشجير فأنشأوا عيدا للاحتفال بالشّجره و حثوا الأجيال على غرسها وتعميمها على تراب الجمهورية.
لكن يبدو أن عيد الشجره أفرغ تدريجيا من محتواه واصبح مجرد عادة رسمية موسمية وان حبّ الشجرة في النهاية لم تضرب جذوره في الثقافة التونسية، اذ يكفي أن نذكّر ان ان المدن التي يعيش فيها 75 بالمائة من التونسيين لا تقدّم إلاّ 15 مترا مربعا من المساحات الخضراء لكل مواطن، وهي نسبة ضئيلة، إضافة الى كونها مقسّمه بشكل غير عادل بين سكان الأحياء الشعبيه الكثيفه والمناطق الرّاقية.
نعم يجب غرس الأشجار بكثافة حول الطرقات، أمام المدارس، حول البنايات السكنيّة. نعم يجب الإكثار من المناطق الخضراء المشجّره لأن الشجرة هي حليفتنا ضد الحرائق وتغيير المناخ، أو على الاقل للتلطيف من تداعياته الخطيرة.
كما انها-اي الشجرة- حليفتنا ضد تفشي القبح وانعدام الذّوق وغياب الحسّ الجمالي في مدننا وبلداتنا.
الى جانب هذا الجهد المطلوب لجعل “تونس الخضراء” خضراء حقّا، فإنه يتعين، وفي نفس الوقت، تعهّد رجال الحماية المدنية وتثمين مهمّتهم وتمكينهم من تطوير أساليب ووسائل عملهم، وتثقيف المواطن وتوعيته بقيمة محيطه البيئي وهشاشته وإمكانية تعرّضه في كل لحظة الى الاحتراق والإتلاف، سيما وأن كل الدراسات العالميّة تؤكّد ان الاحتباس الحراري أصبح يعرّض كل أنواع الغابات دون استثناء-وليس فقط غابات الاوكاليبتوس في استراليا- الى الإشتعال الذاتي تحت وطأة ارتفاع الحرارة وتجفيف التربة.
انها ثورة ثقافية بيئية تلك التي نحتاجها اليوم، ليس فقط لمنع الحرائق ولكن لتجديد تراث تونس النباتي، وبناء بلد أجيال المستقبل.
إنها مسؤولية جماعية تطلب التفكير العميق والتشاور والحوار.
ولكن هل مازال في هذه البلاد مكان للحوار؟
