د.خالد شوكات
من الأشياء التي سيدركها التونسيون في الفرق بين دستور “الانتقال الديمقراطي” ودستور “الانقلاب”، هو الفرق في مفهوم “الشعب”، بين رؤية تعتمد “التعدّد” ورؤية تستبطن “الفرد الحاكم بأمره”، وبين رؤية ترى في الدولة أداة لإدارة التنوع والشراكة في الحقوق والمنافع وأخرى ترى فيها أداة للهيمنة الفردية والحكم التسلّطي..
إن عبارة “الشعب” كانت البوّابة التي عبر منها جميع الطغاة والمستبدّين خلال التاريخ الحديث والمعاصر، وقد جرى تطويعها غالبا تطويعا مشيناً مريعاً في آثاره العكسية وسيرته الكارثية، فقد زعم ستالين وأنور خوجا وصدام حسين وبول بوت واوغستو بيونيشيه وهتلر وفرانكو وموسيليني ومن شابههم وسار على دربهم، تمثيل الشعب والارادة الشعبية من خلال اختزال الشعب في ذواتهم وتبرير جميع جرائمهم عبر هذا الاختزال الشنيع والاستغلال المريع.
فيما تفترض المقاربة الديمقراطية التمثيلية أن “الشعب متنوع متعدد” بطبيعته، وانه فيما عدا بعض العناصر القليلة الجامعة فيه، فهو آراء متعددة واجيال متعاقبة ومصالح متضاربة ان لم يكن مواطنين من عدة أديان او لغات او طبقات او طوائف او احزاب وتيارات وجمعيات وافكار وتصورات وسواها من صنوف الاختلاف والتباين، وهو ما يقتضي احترام وجودها جميعا وحقها في التعبير عن ذاتها ومصالحها ورغبتها في الاستمرار، ولا يجوز لأحدها ان يقصي البقية أو يحتكر النطق باسم الشعب دونها.
وإن كل نزعة الى تصوير “الشعب” كتلة منسجمة متماهية لها إرادة واحدة ومصلحة موحدة وناطق واحد، مثل هذه التي يزعمها صاحب الدستور المقترح وجماعات المفسِّرين والأنصار من حوله، ليست سوى مشروع تحكّم وتجبّر وتسلّط وحكم فردي غايته إلغاء التنوّع الشعبي، وهو امر فشلت فيه وستفشل جميع الأنظمة الفردية التسلّطية السابقة والقادمة، لأن التنوع سنة من سُنَنِ الخلق والطبيعة والحياة، كذلك خلق الله البشر شعوبا وقبائل، ولن يتجاوز سُنن الخالق مخلوق مهما أوتي من صلاحيات ونفوذ وجبروت.
ان هذا الدستور الذي يريد اختزال شعب في فرد واختزال دولة في رئاسة لن يختلف عن دستور الزمام الاحمر، مولود مفقود منذ ولادته، لان الشعب يعبّر عنه بالتعدد والتنوع وتصاغ ارادته الحقة بتمثيل جميع عناصره وبالتوافق بين كل مكوناته، وهكذا تقول السيرة العاقلة للبشرية وتجارب الحكم الرشيدة.
