
في زحمة الأحداث السياسية الحالية وما يصاحبها من مجادلات وخلافات وصراعات لا يبدو أنها ستنتهي، أضاء الفنان المايسترو عبد الرحمان العيادي نورا عابرا لكنّه ساطعا متألّقها على ركح مهرجان قرطاج ليلة أمس الجمعة.
الفكرة ليست جديدة إذ سبق ان أحيت فرقٌ عديدة، وفي أكثر من مرّة، حفلاتٍ بفنانين من الأجيال السابقة او بانتاجاتها القديمة، لتجد كل مرة تجاوبا واستحسانا كبيرين لدى الجماهير التي يحرّكها دوما شعور قوي بالحنين الى ماضٍ ارتبط بتلك الاغاني والأنغام.
لكن العيادي اكّد مرة أخرى أنه أذكى من أن يكتفي بتعداد الذكريات الغنائية، وقدّم عبر سهرته التي اقبلت عليها جماهير احتفاليه كثيفة، وثيقةً ثقافية تستحقّ أن نقفَ عندها.
أولا، هيكلَ العيادي حفله حول شخصيتين ذات رمزيّة قوية في تاريخ تونس الحديثة الغنائي، هما سلاف التي حضرت وشاركت بالأداء رغم صوت أدركه ارتجاف السنين، والرّاحل يوسف التميمي. كلا الفنانين الاثنين يُعتبران من أجمل أصوات عشريّات الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات. جيلان من التونسيين على الاقلّ كبروا على أنغام هذين الفنانين ومن رافقوهما أو عاصروهما.
كانت هناك إذاعة وحيدة ثم تلفزة وحيدة، لكنهما كانتا مدرستين كبيرتين قائمتين صارمتين لتربية الذوق وتكوين الإحساس كشرط لبناء مواطن متجذّر وفخور بانتمائه. قد لا نتصوّر ذلك لكن مغنيي جيل سلاف ويوسف التميمي من أمثال نعمة وعليّة-في نصف حياتها الأولى الاقلّ- وغيرهم برزوا بنضالات لا يجحدها الاّ الجاهلون وانصراف المثقفين، من أجل تخليص تونس من بقايا التأثيرات الخارجية القويّة. وإذا نحن اليوم تونسيون فالفضل فيه كذلك لسلاف ويوسف التميمي ورفاقهما ومن ورائهم شعراء وملحّنون افذاذ من أمثال محد رضا، الذي تم تكريمه في السهرة، والذين وضعوا حدّا لتبعيّة تونس الثقافية للمشرق العربي خصوصا، وأعطوا مضمونا ومعنًا لمفهوم الاستقلال الثقافي. ذلك ان الأغنية أسٌّ من أسس الشخصية تخاطب العقل والوجدان، وهي سلاح ناجع ضد الهيمنة والاستلاب.
ثانيا، أدرك العيادي قيمة الأداء -أداء الاغاني- كفنّ قائم بذاته فاختار اغانٍ جيّدة الصياغة، دقيقة التعبير، سهلة المغنى، عميقة التأثير. مايُسمى في كلمة واحدة: السهل الممتنع. ويتجلّى ذكائه، مرة أخرى، في اختياره لمغنّين جيّدين لكنهم من غير المتكالبين على النجومية فأدّوا دورهم وكانوا خير ترجمان للشخصية التونسية المتجليّة عبر أغانٍ وانغام اختزلت تجربة عصرٍ كامل واجيالٍ متلاحقة بنجاحاتها واخفاقاتها جمعها مشروعُ دولةٍ ووحّدها حبّ بلاد. لاّن الأغنية هي دقّات قلب الشعب الدائمة.
مرّت دساتيرٌ عديدة على الفنانة سلاف منذ الإستقلال. ولعلها ستحضر ميلاد-ووفاة-دساتير أخرى. لكنها ستبقى هي ورفاقها ثابتةً ثبات أغانيها في وجدان التونسيين. فكلّ اغنية هي في الحقيقة معْلمٌ مُقام لقيّم جمالية أسهمت في بناء الشخصية التونسية ورفعت من مستواه الاحساسي والإدراكي، وبالنتيجة، المعيشي. معالم تتلاشى اليوم وتضيع بوصول نخبة لا تفقه شيئا من قيمة وأهمية ودور الفن في النهوض بالمجتمع الوطني وتحسينه وتحصينه من الرداءة والإنبتات والتفقير الرّوحي.
شكرا لك عبد الرحمان العيادي ولموسقييك ومغنّييك على ساعتي التحليق التي اهديتنا وساعدتنا، ولو إلى حين، على الافلات من قبضة المزاودية، سياسيين كانوا ام فنانين، ضيّقوا علينا الخناق وامتصّوا كل أكسجيننا وضمّونا الى صدورهم كما تضمّ الغوريلات القطط.
