بقلم: الأستاذ عبد السلام القلال*
هذا النص مأخوذ من الكتاب الجيّد للأستاذ عبد السلام القلال والذي صدر تحت عنوان “الحبيب بورقيبة، زعيم أمّة ورئيس دولة”-عن ميم للنشر في مارس 2021.
النص:
الديكتاتور حسب المتعارف عليه، هو شخص على رأس الدولة يجمع كل السلطات بين يديه ويمارسها بدون رقابة وبصورة مطلقة ومسابدة، اعتمادا على هذا المفهوم، هل كان بورقيبة حقا دكتاتورا؟ وهل كان هناك في تلك الفترة وتلك الظروف خيارا آخر؟
هل يمكن الحكم على فترة بورقيبة بعد حوالي نصف قرن بمقاييس ومعايير العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين؟ الجواب الموضوعي يكون حتما لا لكن ليس هناك مايمنعنا من قراءة نقدسة لهذه الفترة.
وصل بورقيبة الى السلطة بطرق شرعية بعد ان اكتسب شرعية النضال، فقدتم انتخابهمن قبل مجلس تأسيسي منتخب، كما أنه لم يحكم تونس لا بالحديد والنار، ولا بالجيش والأمن، بورقيبة ناضل من أجل التحرير والسيادة والكرامة طيلة حياتة، وعرف المنافي والسجون من أجل مشروع سياسي مجتمعي ثقافي واقتصادي آل على نفسه تحقيقه، ويتمثل في تحرير بلاده من الاستعمار وإقامة دولة وطنية مدنية تكون في خدمة الشعب، من أجل النهوض به، ورفع مستواه في جميع المجالات، بورقيبة حكم تونس بالخطاب والقانونؤ وتفاعل مع الشعب، استمد شرعيته من نضالاته ومحبة الشعب له، اختبره شعبه واستثاقه واختاره لقيادته، فحقق ما وعد به، في التعليم، والصحة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في ظل دولة وطنية، مدنية، حداثية بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية.
للزعيم بورقيبة، كرئيس دولة مسؤول على استقرار وأمن الدولة، خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها والتعامل معها، وتتمثل في الحركة الشيوعية الشمولية التي تدعو لاستبداد الطبقة الشغيلة، وتملك الدولة كل وسائل الانتاج، والإسلام السياسي الذي يطمح إلى إقامة دولة دينية تعتمد الشريعة الشريعة الإساامية محل دولة مدنية تعتمد القوانين الوضعية، وكذلك الحركات المتطرفة الانقلابية التي تهدف إلى إسقاط الدولة والإنقلاب على الشرعية، فهو يعتبر هذه الحركات معادية للدولة والقانون والمؤسسات، ولا تؤدي إلا إلى الإستبداد والفوضى.
كانت مواقفه تجاه هذه التيارات قاطعة فقاومها بدون هوادة وبشدة، إيمانا منه أن مصلحة الوطن والشعب فوق كل اعتبار، ولا يمكن أن نترك الملايين من التونسين رهينة أقليات هدامة لا هم لها سوى تعطيل المسيرة نحو التقدم والرقي.
وقد كانت نظرته استشرافية، الأحداث أكدت سدادها، قيادة الشعوب تفرض على زعمائها النظر إلى بعيد واستشراف المستقبل، ليأخذوا شعوبهم في الطريق الصحيح حتى ولو كان ذلك متناقضا ومعارضا لما يرونه ويتشبثون به لأن الشعوب المتخلفة عادة ماتكون قصيرة النظر، وليس لها من الزاد المعرفي والمستوى الثقافي مايجعلها قادرة على انتهاج سبيل التقدم والرقي، فهي في حاجة إلى قيادة تأخذ بيدها، وتنير لها السبيل وقادرة على توعيتها بضرورة التغيير والإصلاح، وتأطيرها وتعبئتها لتقبل سياسة التغيير حتى ولو كان ذلك على مضض في البداية.
بمرور الزمن وتطور الظروف والأحداث، ورغم المعاناة التي تحملوها من جراء المحاكمات وإقامتهم في السجون، تبين للبعض من حركة اليسار بما فيها حركة آفاق والعامل التونسي، إن معارضة النظام السياسي في الستينات وبداية السبعينات كان ناجما عن سوء فهم للفكر البورقيبي والتوجه الاشتراكي الدستوري كمنوال للتنمية الإقتصادية والإجتماعية، وأن ما كان ينادون به من شعارات وأنموذج في الحكم قد سقطت وتهاوت وأصبحت من مهملات التاريخ، هذا ما أصبح يقرون به المعارضونبالأمس مثل نور الدين بن خذر زعيم اليسار الذي قضى سنوات عديدة بالسجن في عهد بورقيبة، حيث أقر في شهادته على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والحفاظ على الذاكرة الوطنية سنة 2009 أن بورقيبة كان على حق في توجهاته وأنه يعتبر شباب اليسار أبناءه الغير شرعيين.
وتقديري أن نفس التطور والتحول للاتجاه الإسلامي (حركة النهضة) سيتحقق بمرور الوقت، والدليل على ذلك مقدم هذا الكتاب، وذلك بمعايشتهم الواقع المتطور للمجتمع التونسي والتواصل مع العالم الخارجي سوف يتحرر شبابها شيئا فشيئا من الإسلام السياسي والفكر السلفي المتشدد التي مازالت القيادة التاريخية لحركة النهضة متمسكة به من أجل أجندة خارجية، ويتحولون بحزبهم إلى حزب مدني حداثي منسجم مع متطلبات العصر على غرار الديمقراطية المسيحية التي تتواجد وتتعايش مع مختلف الأحزاب العلملنية في أوروبا وخارجها في نطاق أنظمة مدنية حديثة، وعندها سيكتشفون أنهم من أبناء بورقيبة غير الشرعيين.
عبد السلام القلال: عبد السلام القلال كان من بين الكفاءات الشابة الذين عينهم بورقيبة على رأس عدد من الولايات خلال ستينات القرن الماضي حيث تمت تسميته في سنة 1964 واليا على الكاف وفي نفس الوقت تسمية الهادي البكوش على بنزرت والمنجي الكعلي على جندوبة.بقي القلال على رأس ولاية الكاف الى سنة 1969 وترك فيها إنجازات هامة يطول الحديث بشأنها ويكفي التذكير بإحداث الفرقة المسرحية القارة بالكاف بقيادة المرحوم المنصف السويسي.
عبد السلام القلال الذي غادر المسؤولية سنة 1970 ليتفرّغ لمهنة المحاماة هو من بين المسؤولين القدامى الذين نشروا مذكراتهم، فكان كتابه الأول بعنوان “الحلم والمنعرج الخطأ” الذي قيم فيه عشريّة الستينات، أي مرحلة الاشتراكية الدستورية والتعاضد التي كان فيها فاعلا. ثم أصدر كتبا جديا بعنوان ” الحبيب بورقيبة زعيم أمّة ورئيس دولة” الذي أهداني إياه ويقول أنّه “أعدّه للتعريف بثوابت حكم بورقيبة وببعض منجزات دولة الاستقلال والجوانب المشرقة من شخصية الزعيم عتّم عليها بالكامل وبطريقة ممنهجة من قبل الرئيس السابق زين العابدين بن علي ومن الطبقة السياسية الجديدة المتنكرة لتاريخها والتي حكمت البلاد وما زالت منذ 2011″…بالرغم من تقدمه في السن (مولود سنة 1932) فان عبد السلام القلال لا يزال يحافظ على لياقته وعلى بديهته وذاكرته وكذلك على حصافة رأيه وقراءته للأحداث
