
تعد مدينة الثقافة بتونس العاصمة مفخرة معمارية وثقافية فريدة، يمتد بناؤها على مساحة 9 هكتارات تقع في احد أهم شوارع العاصمة وهو شارع محمد الخامس. انجاز هام تغلبت الدولة على مصاعب اتمامه واهدائه لاهل الثقافة والفنون للشباب وكافة الاجيال. انطلقت الأشغال في 2003، ثم توقفت لعدة مرات، إلى حين إعادة انطلاقها في 2016، وتم افتتاحها عام 2018 من طرف الرئيس السابق المرحوم الباجي قائد السبسي.
بالفضاءات الرائقة لمدينة الثقافة تم تأثيث أنشطة الدورة الاولى لـ “أسبوع المبدع التونسي المهاجر” من 18 الى 22 جويلية، باشراف وزارة الشؤون الاجتماعية وديوان التونسيين بالخارج وبمشاركة جميع المتدخلين الفاعلين في شؤون الهجرة وغيرهم من الممثليات الاقتصادية التونسية بالخارج وبعض الحضور من أبناء تونس المقيمين بالخارج، بينهم الشباب والنساء ورجال الأعمال والفن والاعلام والمجتمع المدني..
من بين الفقرات التي حضرتها ليوم الخميس 21 جويلية تظاهرة “المنتدى الاقتصادي لتونسيي العالم” تحت عنوان “التشجيع على الإستثمار وتحسين مناخ الأعمال”، حيث تم التطرق الى عديد المسائل المتعلقة بالإدارة التونسية وكيفية التخلص من بيروقراطية الرخص والتعقيدات الادارية التي تمثل حجر عثرة وسدا منيعا لأي نوع من الاستثمارات الخاصة.. تكلم بعض الحاضرين ممن حاولوا الاستثمار او انجاز مشاريع بصعوبة وممن هم في انتظار عدادات الماء والكهرباء والغاز وعبروا عن عدم رضاهم على أسلوب التعامل معهم وتحديدا الصعوبات التي واجهتهم في استقاء المعلومات اللازمة لاقامة مشاريعهم والتأقلم مع أجواء الأعمال في تونس.
من جهة أخرى تداول ممثلو بعض المؤسسات الاقتصادية والوزارات مثل هيئة الاستثمار ووكالة النهوض بالصادرات والبنك المركزي ووزارة الخارجية وديوان السياحة وبعض ممثلي المجتمع المدني، على أخذ الكلمة واعطاء بسطة عن انشطتهم او ردا على أسئلة الحاضرين بدقة وانضباط وكأن السماء دائما صافية والعصافير تزقزق والحال ان التشكيات كانت سيدة الموقف.
وكان لي شخصيا مداخلة قصيرة خلال هذه الجلسة التي تدور تحت رقابة رئيسة ديوان التونسيين بالخارج السيدة ناهد الراجحي من بعيد، والتي تم اعفاءها من مهامها منذ أيام. وقدمتُ ملاحظاتي فيما يخص اقامة مثل هذه الملتقيات التي تنزلق في الغالب الى الاسئلة الشخصية والردود السريعة دون الغوص في المواضيع الحقيقية للمرحلة وادارة النقاشات بصورة أشمل واوسع لسماع الاراء والافكار والاقتراحات والنصائح والحلول ان وجدت.
وتساءلتُ بالمناسبة لماذا بقيت مكاتب ممثلياتنا الاقتصادية والاجتماعية بالخارج مفتوحة سنوات الكوفيد والحال ان العالم توقف نهائيا عن أي نشاط اقتصادي وتعطلت السياحة والاستثمارات الخارجية وذلك لتوفير العملة والمال العام واستعمال هذه الاموال عند العودة للنشاط بقوة بعد التعافي من الكوفيد. كما أشرت الى ان مناخ جلب الاستثمارات الأجنبية ضعيف بالشروط التي تتيحها مجلة الاستثمار المنقحة بعد 2011 نظرا للمزاحمة الكبيرة حتى من البلدان الاوروبية. اما عن اللوجستيك فحدث ولا حرج حيث لا توجد طائرات نقل بضائع لتلبية حاجة المصدرين لترويج منتجاتهم الفلاحية كالخضروات والفواكه والورد والسمك الخ.
اضافة لاسعار شحن البضائع الباهظة الثمن نظرا لكونها تسافر مع شنط المسافرين. اما فتح حساب جاري للأجانب الذين يريدون تحويل أموالهم في البنوك التونسية بنيّة استثمارها في المستقبل، فهي عملية صعبة تتطلب صبر أيوب، لان الاجراءات طويلة ومعقدة حيث تبدأ بايفاد الشخص الاجنبي للقنصلية التونسية ببلاده وبحوزته الوثائق الشخصية وسجلات شركته ببلاده مترجمة كليا واعتمادها من المحكمة ثم ختمها ليطير بعد ذلك الى تونس ليتمكن ربما من فتح حساب.. امام هذه العقبات تتبخر أحيانا نوايا الاستثمار والاستقرار ببلادنا.
بقي ان نقول ان هذه المبادرة هادفة ومفيدة ويمكن البناء عليها لخلق موعد دائم يلتقي فيه المستثمرون والوسطاء التونسيين المقيمين بالخارج وتشجيع اقامة مجالس اعمال لتدارس انجع الطرق والاستراتيجيات لجلب الاستثمارات الاجنبية لبلادنا واقحام جاليتنا بالخارج في منوال التنمية وتحريك الاقتصاد التشاركي بين الخاص والعام.
