
في يوم عيد المرأة التونسية لا يمكننا الّا نستحضر صورة الزعيم الخالد الحبيب بورقيبة الذي أصرّ على دخول تاريخ تونس الحديثة بإصدار مجلة الأحوال الشخصية ليغيّر بها حال المرأة ويمنحها الحقوق المدنية والسياسية التي تجعل منها مواطنة لها نفس حقوق ونفس واجبات الرجل في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

لم يكن قد مضت غير أشهر قليلة على توليه رئاسة اول حكومة بعد حصول البلاد على استقلالها التام، حين أصدر بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية، ما يعني أن إصلاح وضع المرأة كان يشكّل أولوية قصوى في فكره ومشروعه كزعيم سياسي وكرجل دولة، لذلك بادر بهذه “المجلة” موفّقا بين نضالات مصلحي التنوير السابقين وبين متطلبات الطموح الى مستقبل يُخرج تونس من تخلّف القرون ويُدرجها ضمن الحركة التقدميّة في العالم.
كثيرون عن جهل أو حسد أو كراهية حاولوا التقليل من انجاز بورقيبة وتبخيسه باعتباره “فعل الحاكم”le fait du prince ” وليس نتاج نضالات نسوية أو مجتمعية، وهو ما لم يغب عن الزعيم الذي كان واعيا بمعوقات مشروعه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فثبت على مبدئه معلنا (في خطابه ليوم 29 جوان 1972):”سأفرض حرية المرأة وحقوقها بقوة القانون…”
كان بورقيبة يعلم أن مشروعه يمثل الثورة التونسية الحقيقية الأعمق والأكثر إدامة une révolution permanente، لذلك جعل منه معنى تونس، ومستقبل تونس، وانتماء تونس الى العالم الحر، فكتب على قبره” …بورقيبة محرر المرأة”، بما يحمل اسم الفاعل من معاني الإرادة والمثابرة والاستمرارية.
اليوم ما تزال تونس، ستة وستين سنة بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية، تعيش جرائم الشرف المرتكبة بحق الفتيات، ومازالت المرأة تُنقل كبضاعةٍ ليقع استغلالها- ان وصلت على قيد الحياة-في حقول مُستكرشي فلاحة الخضر والغلال الممنوعة والمقطوعة على المواطن “الشهّار”، وما تزال المرأة الضحية الأولى للبطالة رغم تفوقها الدراسي، وما تزال المرأة تواجه العنف المادي والمعنوي دون تنزيل العقاب المناسب على الجاني، وما تزال المرأة تتحمل تعب البيت وتعب العمل مجتمعين.
وفي الحقيقة فإن مشروع تحرير المرأة هو مشروع معركة لا تنتهي ضد كل أنواع السلفية. السلفية الدينية طبعا، ولكن كذلك السلفية الفكرية والثقافية التي “تُسلعِن” المرأة وتعتبرها مكمّلا أو ديكورا، والسلفية الاقتصادية التي ترى في المرأة “سارقا” لعمل الرجل، والسلفية الاجتماعية التي تريد الفصل بين المرأة والرجل في فضاءات العمل والعيش المشترك… سلفية تُخفي أخرى.
في يوم المرأة التونسية هذا لا ننسى ان نذكر المرأة الأفغانية التي تُسجن من جديد في ظلمة الأميّة والتجهيل، والمرأة الفلسطينية التي لا تنفكّ تتحمل التضحيات الجسام لابقاء شعلة الوطن الحرّ حية، والمرأة العاملة الكادحة بثبات وشرف من أجل لقمة العيش، في تونس وفي كل بلادنا العربية الاسلامية، والمرأة المناضلة ضد الاستغلال والعبودية قديمها ومستحدثها في كل نقطة من هذا العالم.
يا نساء تونس، لقد فتح بورقيبة يوم 13 اوت 1956 بابا في حصن باستيل التخلّف والاستكانة لتخرجن الى نور الحرية بالمعرفة والتثقّف والعمل، فلا تكتفوا بباب واحد وافتحن أنتن من لَدُنكنّ ابوابا أخرى كثيرة من أجل تونس أكثر عدلا ومساواةً وتوازنا، أكثر تقدّما وحداثة.
سلاما نساء تونس.
