• Login
  • من نحن؟
No Result
View All Result
الجمعة, 27 مارس 2026
تونس مباشر
Français
  • وطنية
    • سياسة
    • جهات
  • عالمية
  • صحة
    • اخبار كرونا
  • اقتصاد
  • رياضة
    • كرة قدم
  • ثقافة
    • مرأة
  • حديث الساعة
  • كتاب وأقلام
  • أوتار حُرّة
  • منوعات
    • محيط
    • أوراق منسية
  • مباشر غزة
  • دروب
  • وطنية
    • سياسة
    • جهات
  • عالمية
  • صحة
    • اخبار كرونا
  • اقتصاد
  • رياضة
    • كرة قدم
  • ثقافة
    • مرأة
  • حديث الساعة
  • كتاب وأقلام
  • أوتار حُرّة
  • منوعات
    • محيط
    • أوراق منسية
  • مباشر غزة
  • دروب
تونس مباشر
No Result
View All Result
الرئيسية الاولى
نقد مسرحية ” تَائِهُون “

نقد مسرحية ” تَائِهُون “

فريق التحرير بواسطة فريق التحرير
منذ 4 سنوات
في الاولى, ثقافة
Share on FacebookShare on Twitter

مسرحية لنزار السعيدي

بقلم: الأستاذ الناقد محمد مومن

   في مهب الرياح (١)                             

   السّيرة الإشراقيّة

قفا نسمع من ذكرى نشِيدٍ أتى في ” تَائِهُونْ ” (١) مذ أوّل بداياتها، مع فاتحتها، في ما هو فجرها وصبحها الأعشى :

” لاَ أُسْكُتْ لاَ أْهْجَعْ

 لاَ أَهْفِتْ لاَ اسْمَعْ

لاَ تُقْعُدْ لاَ تْقَطَّعْ

مِنْ البَابْ للطَّاقْ

لاَ بالِكْ لاَ وَسَّعْ

أنَا إِشْرَاقْ “. (٢)

  وهذا، وما هذا ليس سوى مُقْتطَف قصير مما اِستفتحت به مسرحيتنا عوالمها التي أخرجها نزار السعيدي عن نص له ألّفه صحبة عبد الحليم المسعودي الذي تكفّل أيضا بمعاجته دراماتورجيّا.

هذا إذن شئ يسير لا يشفي الغليل من مفتّحات هذه ” السيرة الاشراقية ” ( نسبة إلى ” إِشْرَاق “، بطلة هذه التراجيديا)، هذه الملحمة التي ربما ستنجح يوما في أن تقف في التاريخ شامخة كما وقفت جازية الهلالية في السّيرة التي تحكي عن تغريبتها عاليا في تاريخ الأدب الشعبي.

ولعلّنا حسنا نفعل حينما نُسائِل بَدْءً افتتاحِها لِغِنَى معانيه وثراءِ مغانيه.

بَوَادِئٌ

  سنتفحّص بوادئ ” تَائِهُونْ ” بنوع من الاسهاب والاستفاضة. لا فحسب لأن الافتتاحيات في العرض المسرحي مفاتيح، أبواب ونوافد ننفذ منها إلى عوالمه وإنما أيضا لأنها ليست مجرّد مقاطع يعني أجزاء من كلٍّ وإنما هي صورة مركّزة على تفاصيل تختصر بشكلها وبنيتها وأحيانا بمحتواها وفحواها كل عوالم الأثر، يعني الأثر كعوالم.

لسنا في منطق المقطوعات، لا. نحن أقرب إلى أشكال كتابية ترنو إلى روح ” الهَايْكُو ” بما هو بيت أو أبيات توجز العالم.

” الهَايْكُو ” أو بيت القصيد العربي، ” إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الحَيَاةُ/ فَلاَ بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَدَر” ( الشَّابِّي ) مثلا، مثلا، هو بيت نسكنه كعالم وربما كعوالم وليس كمقطع نقتطعه من كُلٍّ متألّف من مقاطع عديدة.

لا، سننظر بمنتهى الايجاز والسّرعة إلى فاتحة مسرحيتنا  كمبنى متكامل، أي منغلق ومنفتح في آن، في تحاور مع يفتح عليه من صور لاحقة : سنعتبره جسدا صغيرا في جسد كبير كامل : هو أثرنا.

بفضل هذه النافذة سنطل على ما تيسّر من المعاني والحقول الدلالية وسنتشوّف على  ما أمكن من الاستعمالات الأسلوبيّة.

سنصنع ما نصنع بصيغة طبعا إجمالية غير تفصيليّة: سنقترح رؤية بَانُورَامَا لا تبصر إلا على الصّور الكبرى البانية للأثر. 

في الصحاري 

  وأوّل ما وجب الإشارة إليه، يعني أوّل ما يخطر على بالنا أن  استفتاح” تَائِهُونْ ” فيه ما فيه ممّا يشبه التّقديم.

ثم إنه ليرِنُّ رنينَ نداءٍ بما نستأنسه في نَبْرته الحارقة ووَهجِ لهجته اللّاهبة. فما أدرانا، ربّما كان بالفعل كلاما يُنادينا دونما ينادينا نحن بعيننا؟ وأنه نداء بلا مُنادَى مُعيَّن لا نرى ما يمنعه أن يكون كلمات غايتها الأولى أن تُغْرينا وتُغوينا.

ما ذا الذي لا يسمح لهذا الكلام أن لا يستهوينا، يشَوِّقُنَا ويُشعل شهوة السّماع فينا؟ وها نحن نُنْصِت لما سيُروَى لنا في زمن عَزَّ فيه السّماع ولعلّه زال أو كاد من حياتنا منذ حقبة سحيقة فصار ما يشبه ذكرى بعيدة.

مجتمع اللاّسماع هو مجتمعنا. وقومنا صُمّ صاروا لا يُنْصِتون. ناسنا ناس لا يحسنون فن الاستماع فما هم له حاذقون؛ وليس لأخلاقه هم له حافظون.

غياب السّماع في حياتنا هو من أمّهات الأغراض في ” تَائِهُونْ “. ربما من أجل هذا مالت نبرة الصّوت الفاتح المستفتح للدراما إلى صيحة حارّة شبه مكبوتة لكن ما زالت حادّة ومسموعة : أَنَّةٌ. وأنّه أنّة وشكوى، لما لا يكون نداءً شبيها بمناجاة؟ ربّما كان هذا من المفارقات.

وهب أنه هكذا، فليكن!  توحي لنا ”  تَائِهُون ” أنها لا تخشى التناقض، بل تحافظ وتُبْقي عليه؛ أنها لا ترهب أن تكون في فكريات لا جدليّة. المهمّ أن هذا التقديم أتى نداء واضحا جليّا كاد أن يكون صارخا فاتّخذ دراماتورجيًّا شكل مُونُولُوغٍ (٣)، يعني خطابا أحاديّا، يخيّل إلينا أنه صوت مصعوق آت من آفاق وبِعاد لسنا ولا أنت، ولا غيرك أنت، عارفين بها.

ورغم ما فيه من نغمة صائحة، حوّرته صعقة قاصمة، يتهيّأ لنا أنه في عمقه – نقول في عمقه – شيئا من نجوى النّفس للنّفس أو حديث الرّوح للرّوح. والغريب أنه يعنّ لنا أحيانا أنه بداية حديث نحا نحو متلقٍّ ما، حاثّا إيّاه على الاستماع، كمن يستعين بتوأم روح يشاطره همومه وأحزانه وشجونه. نعم، كأننا به طلب نجدة. الغوث، الغوث !

    ومع أنّنا لا نلمح في هذا الحديث شارات واضحة دالّة على أنه كلام لا صلات له بالشعائري، فإننا نستشعر على الأقل أنه قول لم يقال لأوّل مرة، بل قول قد قيل من قبل، ومازال دأبه يُقال ويُقال، ويُعاد، يُعاد وما له من سامع.

فمن احساسنا بأنه من الأقوال المُرَدِّدَة والمُعادة ينبع شعورنا بأنه في ربّ علاقة ضبابيّة ومبهمة مع ما يقرب من كلام سِمَتُه الخفيّة المراسيميّةُ والشّعائريّةُ. والمهمّ أنه كلام جاهز لا ارتجال فيه يبدوا مَكْرُورًا محفوظا. ونحن نستأنس في هذا القائل القوّال الفاتح للمسرحيّة سأمَ وألمَ مَن ألِف التكلّم مرارا ومرارا دون أن يجد لكلامه فاهما أو سامعا حاسًّا بمأساته وأسرارها، شاعرا بعمقها ومداها. لهذا أتى كلامه الفاتح للمسرحية في مقام من مقامات النداء. إنه نداء راوٍ مهنتُه الحَكْيُ يُحمِّس الناس على سماع حكاياته المعادة المعهودة. غير أن كلامه المُعاد والمعتاد جاء كصيحة في الصّحاري أو صرخة في القفار والفيافي ما لها من صاغٍ. وبما أننا في هذه السياقات، نستعرض وجوه الافتراضات جميعا، لما لا يكون هذا الاستفتاح أو التّقديم في ذات الآن، هكذا جَمَّا لمَّاً، نداءً ودعوة ودعاء، فحواه نجوى ومناجاة، بَوْح ونواح، شكوى وشهيق، نحيب ونشيج، أنّة وأنين؟ إن خطاب التّقديم مخاطبة مفتوحة تحتمل كل الاحتمالات وتحتوي حتى على المتناقضات منها. ويعسر فهم هذه الوضعيّة الكلاميّة إن نحن نسينا أن المُنادي سيؤدّي دراميّا دور أستاذ إِشْرَاق وسيحلّ محلّ أبيها الرّوحيّ مع محاولة حمايتها ورعايتها بتعويضها حرمانها من حنان والدها، ولكنه ما فعل : فعوض تولّيه تربيتها واحتضانها عمد إلى لَفْظِها لفْظا قاتلا، فكان إنكاره لها دافعا من دوافع اجرامها وباعثا من بواعث انتحارها. فَلِما لا يكون ما قاله اعترافا؟ يمين الله أنه في موقف اعتراف.

أَنَا إِشْرَاق

  كلامه المُتكلِّم هنا ممّن هو في موقف، في مقام المُقدِّم ولكن تقديمه له نبرة التحسّر ولهجة النّادم المجرم المذنب. فما معنى ” أنَا إِشْرَاق “؟ مَن هو ” أَنَا ” هذا ؟ ” أنَا ” هو من يقول ” أَنَا “، يقول  إِمِيلْ بَانْفَينِيسْتْ (٤).

لا هويّة لضمير المتكلّم ” أَنَا ” إلا بالنظر إلى سياقه المُعَيَّن.

وهنا، سياق قولة القائل هو تماهيه مع مقوله.

صحيح ” أَنَا إِشْرَاقْ ” جملة تذكّر في تركيبتها بقولة ” أَنَا الشَّمْسُ ” للسُّهْرَوَرْدِي التي تحيلنا بدورها على ” أنَا الحَقُّ ” للحَلاّجِ، ولكن سيكون دلاليّا من التعسّف، بل من الغبن وربما الغباء، أن نرجعها قسرا إلى سياقات تصوّف القدامى ومناخاتهم. وإن تشابهت المباني فقد تباينت المعاني.

فكيف لنا أن نرى علائق- اللّهمّ عَرَضا – بين الأجواء الروحيّة والفكريّة التي توحي بها ” أَنَا إِشْرَاقْ ” في ” تَائِهُونْ ” من ناحية، والمناخات الروحانية لصاحب ” كِتَابُ الإِشْرَاق ” أو طقوس ومناخات واضع ” الطَّوَاسِين ” من ناحية الأخرى؟ نحن إزاء عوالم بعيدة، ولعلّها غريبة، عن السياقات الصوفية المشار إليها.

كيف نفسّر إذن توارد  ” مَوَاقِفِ ”  النِّفِرِي؟ لماذا تخطر على بالنا وتلحّ ولا تريد أن تتركنا إلى حالنا؟  ألا يجوز أن تكون عبارة ” أَنَا إِشْرَاقْ ” تبني لما يشبه الحوار مع صنف من أصناف التصوّف الحديث وأجوائه؟ وتفاديا للهذيان التّأويلي، الأفضل أن نراها موقفا من ” المَوَاقِف ” الخطابيّة والبلاغيّة التي لا تجد معانيها إلافي سياقاتها التلفظيّة.

فإن كان ولا بدّ من تفحّصها، فَإِيَّانَا وآفاقها التداولية! فلو فعلنا، سننساق إلى إحالتها إلى سياقها الأصلي والأوّلي وهو تقديمُ حكايةٍ ستُحكى.

وبما أن هناك تماهِ بين المُقدِّم، ما سمّيناه المُقدِّم، وبين البَطَلَة مَن كان يسمّيها القدامى ” البَطَلَة “، يعني الفاعل الرّئيس والمحوري في الخرافة، فنحن لا نضلّ ضلالا بعيدا حينما ننتظر مَسْرَحَةً لحكايتها. أليس التّماهي بصورة من الصّور تَقَمُّصًا؟ هل يكون إذن هذا التّقديم وعدا بالتّشخيص والتّقمّص؟ في هذه الحالة المحتملة، سننتظر على حقّ وفاءً بوعْدٍ حرٍّ فهل سيأتي؟ سيأتي إن شئنا دون أن يأتي، يعني أنه سيكون انجازا لوعد معقّد ملامحه غير واضحة.

والمُقدِّم على كل حال لن يؤدّي إلا دورا من جملة الأدوار التي ستحرّكها الحكاية، فلن يلعب سوى دور الأُسْتَاذ. وما هو بدوره سوى صورة هُويّةٍ إشكاليّة مركّبة مُرْبِكة كأنها متهشّمة متشظيّة تتفرّع إلى العديد من الهويّات منها هويّتها كصاحبِ كلامٍ يُؤدّيه بصفة مقدِّم لِمُقدِّمةٍ في مقام ندم وفي حالات حسرة واحساس بالخسران.

لماذا؟ لأن ” أَنَا ” السَّارِد في مقامات متماهية مع البطلة الشّاردة. فإِشْرَاقْ فاعلة الفواعل في الحكاية التي ستُحكىَ. لنقل إن إِشْرَاقْ شوقنا وها قد صارت اشتياقنا. شَوَّقنا المُشوِّق إلى إشْرَاقَ فاشتقنا. غاية غايات التّقديم التّشويق، وهو زرع رغبة الساّمع في السّماع ( والرّائي للرّؤية ).

ألا تَرَانا إلى أننا قد حُمِلْنا إلى أحوال وأجواء فيها ما فيها من ” فِي وِحْدَةِ حُقُولِ القُطْنِ ” لِجَانْ مَارِي كُولْتَاسْ٥؟ زارع الشّوق مُنْبِتُه؛ له ما له من ” التَّاجِرِ” الغاوي لل ” حَرِيفِ ” كما جاء في أثر   كُولْتِاسْ الذي يُفتحنا على ” مُجْتَمَعِ الفُرْجَةِ “، كما رآه غِي دِي بُورْ٦. وما رآه إلا كمجتمع مُشيِّئ للإنسان جاعلا منه لا شيّا : بضاعة وسلعا.

           وما نستغربه هو أن المُتكلِّم المستعمل لضمير المتكلّم ” أَنَا ” التي تملّك بها  لبس صورةَ أستاذٍ عارفٍ واعٍ بأنه من العوامل الرئيسيّة في جرائم إِشْرَاق المتكاثرة. فتماهي المُقدِّمِ كَمُقَدِّمٍ، والمُقَدِّمُ كمُتَقمِّص لإِشْرَاقْ ليس سوى سعي يائس بائس إلى التّكفير عن الذّنب حينما لا ينفع النّدم، بعدما خانها وخذلها، ودفعها إلى الانتحار، ففات الأوان وما عاد ينفع النّدم.

التّماهي هو هنا تكفير وتطهير. من المهمّ والملحّ أن نفهم هذا، نفهم ونعي أنّ صيحة ” أَنَا إِشْرَاقْ ” الأخيرة والمتأخّرة هي صرخة يَسُوعِيَّةُ الصدى يريد بها صاحبها تبنّي آ لام وعذابات مَن أذنب في حقّها وأجرم.

إذن هناك إيحاء وربما إيذان بأننا إزاء حالة حكائيّة – دراميّة أو سرديّة – تَمَحْوَر محتواها على تماهٍ وتبنٍّ من المُتَكلِّم إلى المتُكلَّم عنها.

ولنا أن نسأل بعد هذا إن كان هذا المقام حالات حكائيّة ذات صبغة دراميّة أو ملحميّة؟ التّماهي يفتح على المحاكاة

والتراجيديا، ولكن الهويّة المترنّحة المضطربة للمُقدِّم تحيلنا على الملحمي. تتلاعب  تَائِهُونْ على الدراما والسّرد تلاعبا

يبعث حقا على الدَّوَخان. إنه لعب يصنّفه رُوجِي كَايْوَا (٧) في صلب ألعاب ” الإيلِنْكِسْ ” (٨) : تشخيصي صرف وروائي

محض من جهة؛ تشخيصي في الرّوائي وروائي في التّشخيصي، من جهة أخرى. ثم إنّنا لَنجد في نطاق الأسلوب الدرامي الطاغي تلوينات عدّة بحيث نرى تشخيصا يصاحب الرّواية ورواية ترافق التّشخيص. إنها، وربّي، لَحِواريّةٌ قلبها النّابض بْرَاخْتْ وملحميتُه! لِنَقُل إن هناك مغامرة دْرَامَاتُورْجِيَّة هَجِينَة لا تخشى استعمال أشكال متنوّعة متلوّنة من الكتابات الدرامية.

هي لا تتردّد في جمع ما لا يجتمع. تتهيّأ لنا مَرْتعا لِاستخدام جسارةً الأساليب الإنشائيّة المتباينة. فها أننا نراها بين تصريف وترصيف، توزيع وتنويع، تركيب وتكثيف ل. لَعمري إن ما نراه لَهُو تجميع لصيغ دراماتورجية غير متآلفة وغير مألوفة. هذا التجميع لا يحبّ التّأليف.

والنَّحْو الإنشائيُّ الذي تنحوه مسرحيتنا لا يستند على منطق جدلي بل ينساه ويفضّل عليه جماليّة لا جدليّة لا تسعى لتأليف اللاّ متآلف ولا تصبو إلى التّنسيق بين الاّ متناسق. فنحن في مناخات دِينُها شعريّةٌ لا تعرف ولا تعترف بالهرْمونِي ولا بالسَّنْفونِي.

يحلو لها أن تحتفي وتحتفل بالتناقضات فتُحْيِيها، وأبدا تحب أن تمحيها أو تحبّذ تخطيها  تجاوزها وتعدّيها.

هي تجهد على أن تتجاور النقائض. وتصبو إلى إيجاد صياغات عديدة لصورٍ وصفاتٍ غير معهودة تفاجئنا بها أحيانا لأنها تقرّبها من بعضها مهما تباعدت وتغايرت، ومهما تباينت وتنافرت.

ومهما اكتسبت مسرحيتنا ملامح ملحمية غريبة، ربّما قدّرناها هَجِينَةً، فمن البَيِّن أن همّها الأوّل هو البحث عن شعريّة دراميّة أخرى تؤمن عقائديّا بالفوضى الأسلوبيّة وبكل ضروب الاختلافات والاّ توازنات الجماليّة.

فإن كان هذا مبتغاها فكيف نريدها أن تحويها التقسيمات الأجناسيّة؟ بما أنها منساقة في تيارات ورياح ننعتها بلا عناء بأنها ما بعد حداثية، نلحظ بسهولة أنها فاضت على التصنيفات وتجاوزت شكليات الأشكال. وأنها فاضت لا يعني أنها ثارت.

فما الثّورة غايتها. أتت أثرا يأمل التّغيير بدون اللجوء حتميّا إلى العنيف منه، حيث أن تحولاتها الحبيبة إليها هي من فئة ما سنسمّيها بتصرّف بعد فْرَانْسْوَا جُولِيَانْ ب” التَّحَوُّلاَتِ الصَّامِتَةِ ” ٩حتى وإن افتقدت إلى عنصر الزمن، يعني معطى التّقادم والتّراكم ( من اللاّزم هنا أن  ننساه ونتغافل عنه ). ما بعد حداثة هادئة؟ لا هي بالعكس هائجة، وأحيانا هائجة جدا.

لا، هي  في مساق تعرية واقع تردّى حتى صارت الثورة عليه من قبيل المُستقبَح المُستَكرَه المُستنكَر. لِنَنْتَظِر إذن كتابةً غيرَ مُنتظَرَة ! وما ليس مُرْتقَبا في ”  تَائِهُونْ “هو هذه الاشعاعات التي أوشكنا على تشبيهها بالسِّريالية لما تتضمنه من قفزات، لِنقُل قفزات بهلوانيّة مباغتة تعرفها الشّخوص والأحداث فتمرُقُ عن الواقع وتخرق، تربكه بين الفينة والفينة وتربكنا، تزلزله وتعصف بنا لزمن يطول أو يقصر.

إنها نفحات نسائم أو نفخات رياح تُفقِد الواقع واقعيته وإذا بنا منه نستراب.

حان القول إن هذا التّعامل  ثمرة بلاغيّةِ الإفراط والمغالاة. وإن نحن لم نقل إن ”  تَائِهُونْ ” تنعطف نحو جمالية الاستفاضة والفيض والفيضان فكأنّنا بنا لم نقل شيئا يُذكَر. ولا يكفي طبعا أن نذهب إلى الزّعم أن هذه الإنشائية هي من جَنْيُ مغامرة التخوم والحدود أو من ثمار تجربة الأقاصي.

وجب إبانة هذا وتبيانه. سنفعل.

قوّة ركحيّة 

    وعودا على بدء، نرجّح أن بداية ”  تَائِهُونْ ” هي إلى البْرُولُوغْ أقرب.

والحقّ، أن مسرحيتنا نصّا ما قالت  مُقَدَّمَة  وقالت بْرُولُوغ. والفرق بينهما كون الأخير شارة مُبشِّرة واعدة بما سيُحْكى لنا لاحقا، في قادم المشاهد والصّور. هي محاولة يُراد منها تحضرينا إليه حتى تحبِّبه إلينا لنتابعه.

إنها ممّا يشبه الدّعوة المحفِّزة عسانا نستعدّ لاستقبال خرافة لها هيئة ترَاجِيدِيَا، سوداويّة الوجه مأساويّة الملامح. أمّا المقدّمةُ فَفاتحةٌ مفتوحة، لها قابلية كي تستقبل وتقبل كل الأجناس الخطابيّة، دراميّة كانت أو حتى لا دراميّة.

فَلنفترض أنّ استفتاحنا هذا  بْرُولُوغ، فحتى في هذه الحالة المحتملة سيتحتّم عليه أن يكون وجها من وجوه التَّقْدِيمِ.

وما التَّقْدِيمُ إلا من جنس صاحِبِه المُقدِّم. إنه يتفرّع وفق تفريعاته ويتلوّن حسب تلويناته. فمَن يُقدِّم هنا؟ بالنّظر إلى ما نرى فإنما الذي يُقَدِّم هو مَن يَتقدَّم فوق الرّكح.

وها هو ذا أمامنا فوق الخشبة.

فَلْنَقُلْ إنه هو هذا الذي هو؛ وهو لا هويّة بائنة له. وبما أنه عنصر يَرْشح حياةً، وأنه عاملٌ غالَب آلَتِيَّتَهِ فَغلَبها، الأقرب أن نعتبره من أولئك الفواعل الذين يؤدّون وظائف محدّدة ومهام محدودة ما أن تنتهي حتى يختفوا من على الرّكح.

لهذا لا نرى لنا من حيلة إلا أن  ننعته ب ” القُوَّةِ الرُّكْحِيَّةِ “.

وهي قوّة فاعلة متكلّمة. وها أننا ذا نراها قادمة من خلف الرّكح، مقبلة نحونا تريد أن تلتحق بنا، وإذا بها تقف على مسافة منّا، على مقربة من جميعنا- سامعين ومشاهدين.

هذا المُقبل الطّالع علينا كبدر آخر الزمان حزين تَعِب، شاحب خاسف، ككوكب آفل مريض هزيل كاسف، هذا الذي يمثّل لنا قُوَّةً رُكْحِيَّةً تُرى من هو؟ يا خَلِيلَيَّ لا يحقّ لكما القول إنه ذاك الممثّل، مُحَمّد شَعْبَان الذي عَرَفتُماه كما هو، كائنا اجتماعيّا امتهن مهنة التّمثيل وامتحن مِحنَها، عَرَفها فعَرَّفت به. ربّما كان اللُّبس مفهوما والالتباس مقبولا في الوهلة الأولى، عند مرآه ومَطلعه، ولكن إثر تأمّلنا له وتمعننا مليّا إيّاه، بعد مَرِّ الزّمن الأوّل، لا بد أن تَتَبَيَّن أن هذه القُوَّةَ الرُّكْحِيَّة تتباين والممثّلَ.

من الجائز أن يكون كائنا منّا، من سائر ناسنا وسواد أهلنا وليس من فئة فنّانينا. نقول قولنا هذا وما نحن على يقين. الأَوْلى بنا أن نرتاب في هويته وأن لا نرتاح إليها ونستكين. كان الأّوْلى بنا أن نتردّد.

ولعلّ الأقوم والأفضل أن نفترض أنها أصلا هويّة مزدوجة مُرتبِكَةٌ مُرْبِكة.

وإنّما يبدو لنا أن أسلم السّبل التي يحسن بنا أن نسلكها هي تلك التي يتسنّى لنا رؤيته فيها كَكيْنونة مزدوجة ملتبسة لها هويّة سائلة منتمية في نفس الوقت إلى عوالم متباينة مختلفة، لعلّها عوالمنا وما جاورها أو غايرها. وكأننا بهذه القُوَّةِ الرُّكْحِيَّةِ ما استقرّت على شكل واضح أو وجه بائن.

إنها كائنٌ كينونته تسير كما تسير، فما هي تحدّدت ولا هي تعيّنت : بقيت تسيل. إذن لن نستبعد أن يكون منّا، وهو ما يعني أنه من عامّة النّاس، خرج منهم وربما عنهم، بَرزَ من ليل الدّهماء الذي لا يعرفه إلا هو.

بَانَ كأنه آت من سديم الدّكناء الذي نعجز حتى على تصوّره وتخيّله. ولكن، وفي نفس الوقت، من الجائز أن لا يكون هذا الإنسان من عادي البشر الذين افترضنا. فما الذي يمنعه من أن يكون لنقل ” قَوَّالاً ” يقول قوله ويمضي، يَنْثُرُ الشّعر ولا يُبالي، ينفُثُ ما عجّ به صدره ويَزْجل، يَزْجل ويَصدَح؟ هُومِيرُوسْ أزماننا التّافهة البائسة وأوطاننا الخاربة اليائسة.

ومأتى بؤسه افتقاره أو افتقاده لسماع الآخرين إلى قوله. نعم، مَن مِن البَرِيَّة سيسمعه؟ يصرخ في الصّحاري، ويعوي في البراري كالذّئاب على الدّوام ولا من صاغٍ، فمَن، مَن يا تُرى إليه سيَنْصُت؟ إنما هو صوت بلا رجع صدى.

ليس للصوت من معنى أو حتى من وجود، في غياب السّامع. قدره في  تشابه تام وتطابق أوفى مع قدر إِشْرَاق التي قَتَلَتْ وماتت لأن صوتها غير مسموع.

تُرى هل بهذا يمكننا أن نرى في هذه القُوَّةَ الرُّكْحِيَّةُ قوّة تجسّد صوت إِشْرَاق؟ ها أن المسرحية قد انفتحت فجأة، ومنذ الفاتحة على آفاق ملحميّة غريبة تغريبيّة لا نعلم إن هي تمُدّ المسافات بين الصوت والقُوَّة أم أنها تمحيها تنسخها وتلغيها. هناك بَيْنٌ وبِعادٌ؟ فكيف تواصل ووصول المنفصل عن المنفصل، والبعيد عن البعيد، الصوت عن صاحبه؟ الأصل في المسألة وجود  تردّد بين التقارب والتباعد، هناك شبه ارتعاش، نعم.

أوحت لنا القُوَّةَ، وبما هي صوت صادح، أنها من أحفاد هُومِيرُوس، هُومِيرُوسْ إمام المنشدين وأب الحاكين؟ هب أنّ القُوَّةَ الرُّكْحِيَّةُ شيء ما مِن هُومِيرُوسْ فيها! وما أن نراها على تلك الصورة وبتلك الصفة حتى تتراءى لنا هويتها، وبالتالي هويتهما، متذبذبة مترنّحة؟ لكأنّنا بالقوة هويّة سكرانة من إفراز زمن كزمننا تميّز بالريبة. ولا من شك أننا ننتمي إلى ” عَهْدِ الشَّكِّ ” حسب عبارة نَتَالِي سَارُوتْ (١٠)؟ الشكّ قاتلُنا.

وما نحن سوى فريسته بِهُوِيّاتنا وهيئاتنا، بوضعياتنا وحالاتنا، بكل مصائرنا وحيواتنا. فهل القُوَّةَ تروي أو تُشخِّص أم تسرد وتجسّد؟ لن تريحنا مسرحيتنا من حيرتنا. فهي أثر حائر فكيف به أن يمنحنا الراحة؟ ”  تَائِهُونْ ” ليست من المسارح التي تتّسم نفوسها بالسّكينة، فأرواحها غير مرتاحة، قلقة، غير مطمئنة، قلقة، أرواح مرتابة حيارى.

ونضيف أبدا فرحانة بل غضبى غضبا أبديّا لا يرجى منه أوبة أو مآبا. و إذا بالوعد الأوّل الذي بشّرت به الفاتحة وعيد.

”  تَائِهُونْ ” ليست من تلكم المسارح الإِنْجِيلِيَّةِ المبشّرة والواعدة بالجنّآت الخُضْر: هي من إنسانيات ما بعد اليُوطٌوبِيَاتِ والأيدولوجيات الحالمة وهي واهمة والسرديات الكبرى الواعدة بأزمان المدن الفاضلة، بحدائق عدن المعلّقة بين الأرض والسماء.

كلا ثم كلا هي مسرح تراجيدي، غير دِيَالَكْتِيّكِي، لا جدلي، لا تجاوز فيه للمتناقضات وينحبس في الصراعات مصوّر عوالم لا مكان فيها لغير  الفشل والفناء  والموت، عوالم ظلماء، غلبت فيها العتمة وساد الحزن فيها ساد، وغاب الفرح. عوالم”  تَائِهُونْ ” بلا بسمة، بلا هلال، بلا نجوم ولا شمس: بلا نور.

أين منا الأنوار ونحن في الظلمات، أين منّا التّاريخ وقد عدنا إلى ما قبل التّاريخ، إلى بربريتنا الأولى التي خلناها خلفنا؟ نعم، عدنا إلى وحشيتنا القديمة عدنا. فكيف لا تترنّح هويّاتنا وتتزلزل ونحن في زمن عوالم ضياع وفقد إنسانيتنا؟ 

    إذن لا غرابة أن في هذا الظلام الذي لا ينجلي نتيه ونهيم كأشباح لا تسكن كإشراق ” لاَ تَهْفُتُ “، ومثلنا نحن أيضا لا نهفت؛ كلّنا، شخوصا كنا أو مشاهدين.

بهذه الدُّنى الدَّانْتِيّة (١١) المَعَرِّيَّة (١٢) الجهنّمية قادتنا  القُوَّةَ الرُّكْحِيَّةُ حينما دعتنا إلى سماع قصّة إِشْرَاقْ : أغرتنا وأغوتنا، وربّما خدعتنا، قادتنا إلى هذه العوالم وما درينا أنها أرادت منا أن نتيه في هذا الجحيم الذي طرقت لنا أبوابه  وفتحتها فقبلنا ودخلنا فاصطلينا نارا واتّقدنا نحن المشاهدين صحبة شخوص الدراما.

هي إذن دعوة إلى إقامة في مقامات جهنّميّة، إلى قضاء فصول في الجحيم، جحيم لا يعرف إلا فصلا واحدا صيفا محرقا لاهبا، نارا موقدة، نحترق أناءه كلّنا؛ وما هذا الصّيف إلا شتاء بارد قارس برودته إنسانيّا لا تُحتَمَل، هو جحيم ثلجيّ  كجحيم كَامُو في ” السّقُوطْ ” (١٣) لا دفئ فيه ولا حرارة، بلا قلب، بلا حب ولا حنان.، بلا أمل، بلا بصيص ضياء في الآفاق. متاهة. متاهات بلا نهايات.

في هذه المتاهات سنتيه جميعنا ونضيع. ولا مهرب ولا ملجأ.

لا مخرج سوى الموت  تراجيديا لسنا فيمنطق التشاؤم والسّوداويّة. نحن في المأسويّة.

في التراجيديا. في في منطقيّة الفاجعة كان لا بدّ من انتحار إِشْرَاقُ: فبعد قتل الأمّ والمعلّم كيف لها أن لا تنتحر؟ لك أن تتيه أو أن تنته. لا خيار ثالثا لك. أم حسبنا حقّا أنّنا في عالم  يُجيز منطقُه تجاوز المتناقضات؟ وخير برهان على ما نقول هنا هو موت ملاك الموت : إِشْرَاقُ.     

 من وراء الموت

أَصَاحِبَيَّ، أمّا وقد قلتما لنا إنّ صوت القُوَّةِ الرُّكْحِيَّةِ هو صوت إِشْرَاقْ، فإيّاكما نسأل سؤلا ما برح يُحيّر : هل سمعناه هذا الصوت يوما؟ لا، ما سمعناه أبدا. ولن تجدا مَن سَعى طيلة حياة إِشْرَاقْ إلى سماعها. يا ويلاه!  ألاما من أحد منا أو منهم سمعها؟ هي هي، وما هي إلا بصوتها، وصوتها ما سمعه أحد أبدا.

لم نسمعه في ما مضى، فلعلّنا سنسمعه فيما سيأتي؟ لن نسمعه إلا نزرا. ما سنسمعه صوتها المسجّل في اللحظات الأخيرة من المسرحية بينما أثناءها وأناءها لا صوت لها خافتا كان أو مدويّا. دراميّا وركحيّا لن نسمعها إلا بعد موتها.

وفي التّرتيب الزّمني وتسلسله المُتتابع، إِشْرَاقُ ميّتة من قبل ابتداء الحكاية. وهي في عداد الأموات من قبل افتتاح مشاهد المسرحيّة وصورها البصريّة والسّمعيّة. سيأتينا صوتها إذن من عالم الموتى، من الدنيا الأخرى. وكأننا بموتها هو الثمن الذي كان عليها دفعه كي تُسمَع.

فالسّماع هنا لا يساوي الحياة فحسب، بل يستوي حياة، الحياة نفسها. وكما في أَلْفِ لَيْلَة وَلَيْلَة، استماع الآخر من أشراط الحياة. نحن نفقد الحياة ومعناها حينما نفتقد إلى سماع الآخرين. ما حياة شَهْرَزَاد لولا استماع شَهْرَيَار إليها؟ هي حِكاياتُها، يعني هي حديث يُسْمَع.

وهي كلام له سامع. بلا سامع، لا حكايا. إِشْرَاق لم تكن حكاية آناء حياتها الدّنيا لأنها لم تتمتّع  من بين الأحياء بمن يصغي إليها. ليس لها مَن كان يسمعها. تقول  تَائِهُونْ ” :  هذه أقوام لا تسمعك إلا حينما تُدفن في القبور، من تحت اللّحود، حينما تصبح في الجانب الآخر من الحياة، عندما تكون من ما وراء الدنيا، في العالم الآخر، فيما بعد الموت : في الجانب المظلم، في الدّرك الأسفل من دنيا الحُفَر، في ” الدَّارْكْ سَايِدْ ” (١٤) من حياتنا الفانية. هذه طبائع ناسنا وعجائب مخلوقاتنا.

لا حياة لنا إلا بعد الحياة حينما لا تنفع الحياة. لهذا نحن أموات بالحياة، كما تقول أمي زهرة وهي ما هي، صوت الحكمة الشّعبية تصريحا، وكما تقول ”  تَائِهُونْ ” ببصيرتها العالمة تلميحا.

لو كنّا أمّة تسمع، لما كانت إِشْرَاقُ كما كانت : مأساة تمشي على سوقها، هائمة على وجه الأرض.

فبأيّ ذنب قُتِلَت؟ بل، بأيّ ذنب قَتَلَت؟ إنها فعلت ما لا لذنب سوى أنها لم تُسْمَع ولو للحظة يتيمة طيلة حياتها الوجيزة.

ما مَن أحسّ حقّا بها أو بوجودها. لا أحد، الأقرباء كما الغرباء. 

اشراقات إِشْرَاق 

 هذا، ورغم هذا، فالشّارة الرّكحيّة التي عنها نتحدّث لا توحي أنّ هذه القوّة المؤدّية هي صوتها وكفى.

هي تذهب أبعد وتقول أكثر بما أنها تزعم أنّ القُوَّةَ هي إِشْرَاقُ عينها وقد استوت صوتا : ” أَنَا إِشْرَاقُ ” (١٥). وهو ما يعني أنهما صوتان صارا صوتا واحدا.

وها أن كلامَها كلامُ المُقدِّم وكلامَه كلامُها، فمَن سيَفْصُل بينهما؟ إذا تَكَلّمَتْ تكلَّم وإذا تَكَلّم تَكًلَّمتْ. وعلى نفسِ وتيرةِ القولةِ الشّعريةِ الأثيرة (١٦)   للفَرَاشَةِ (١٧)، فكأنّنا بهاتف يهتف بنا إذا سمعتَني سمعتَها وإذا سمعتَها سَمعتَنا.

فإن استحال التّفريق بين السّامع والمسموع – كما سيستعصى علينا لا حقا التمييز بين الرّائي والمرئيِّ – فكيف تَبَيُّن الصّائت من الصَّامت؟ وما ضمير الغائب هنا إلا لكائن غاب فحضر.

وأمّا ما كان مِن أمر مَن حضر فقد غاب، غاب وما حضر.  وهذا، ما هذا سوى ضرب من الاستحضار. وفي المسرح هو معروف مطروق ؛ فلا جِدّة فيه ولا استحداث.

نعم، هو استعمال معتاد ما أن يغادره هذا الفنّ بين الفَيْنة والفَيْنة حتى يعود إليه بمنتهى الاستعجال.

وإن كان لنا أن نستعجب فالعجب العجاب كون إِشْرَاقًا أشرقت على هذه القُوَّةِ الرُّكْحِيَّةِ القوّالة الشّاعرة الجوّالة، هذه القوة الهُومِيرُوسِيَّة حتى لكأننا بها بُعثت فحُشِرت فحضرت حضورا حاميا ملتهبا.

فرغم أننا لن نَنْعم برؤيتنا إيّاها طوال الدراما في صيغ صور ركحيّة مُجسَّدَة أمامنا مُنْتصِبة قائمة قدّامنا فإنّ إِشْرَاقَ ستكون صورا افتراضيّة عابرة ولكن كضلال شجرة وارفة ما فتئت تلفّنا والأحداثَ من الفاتحة حتّى الخاتمة.

غابت إِشْرَاقْ عن عيوننا، فلن نراها، ولكننا سنستشعر من شمسها اشعاعاتها   وسنستأنس من نارها شراراتها ولهبَها.

ولأنها كائن شمسيّ ناريّ يحرق ويحترق، سنحسّ بسعيرها وألسنة لهيبها، من أوّل الأحداث إلى آخرها. سنرى ” تَائِهُونْ ” بما هي أثر فرجوي حيّ، ربما فائضُ الفرجويّة فائقُها، تتساءل حيرى عن معنى الحضور عموما والرّكحيّ منه خصوصا.

ومثل هذه التّساؤلات لتبدو في الوهلة الأولى مكتسية صبغة ” ميتَا مَسْرَحِيَّةً ” (١٨)، ولكنها، لو تفرّسنا فيها جيّدا، لألفيناها ذات معاني سياسية عديدة بليغة ومغازي حضارية غزيرة.

فهي في حقيقتها استجوابات تُسائل كافّة حياتنا في مُجْتَمَعِ الفُرْجَةِ.

ثم إن لها انفتاحا وجوديا، ميتافيزيقيا، أنطولوجيا يسمح لها في آن بأن ترنو نحو السّماء لتستنطقها عن غياهب معاني غياب الكينونة وتألّق حضورها المتلألئ في هذا الوجود الفسيح المنفتح بلا حدود والمنغلق على ألغازه وأسراره بلا نهاية.

نعم لماذا السماء صامتة صمتا بُوذَوِيًّا مُلْتَفَّة على ذاتها مُلْتَفِتَة إلى نفسها إلى أبد الآبدين، صنم لا ينطق ولا يحسّ، كالحجر بلا حياة.

وكأننا بالمسرح بلغته ومفرداته يستوي بمساءلاته كمحاورات وجودية وينتهي كمساجلات حول حضورنا.

حضورنا الميتافيزيقي ولكن أيضا وتباعا حضورنا في خصوص غيابنا التّاريخي والحضاريّ. لا فقط ” الآنَ وَهُنَا “، لا، ولكن كما يحب أَنْطْوَانْ فِيتَازْ (١٩)  قوله دائما ” الآنَ وآنِفًا وغَدًا، هُنَا وهُنَاكَ “.

إلى شبيه هذه المقامات تؤدّي بنا الجدليّة التي تقيمها، منذ المقدّمة، ” تَائِهُونْ ” بين القُوَّةِ الرُّكْحِيَّةِ الحاضرة والغائبة بحضورها وفي حضورها، وبين القُوَّةِ اللاَّرُكْحِيَّةِ الغائبة الحاضرة بغيابها وفي غيابها : إشراقات إِشْرَاقُ الشّارِقةِ بغروبها.

نعم، لقد كانت إِشْرَاقُ غائبة غاربة عندما كانت حيّة تمشي في الأسواق وأشرقت بكل إشراقها حينما كشمس غابت وغربت، ماتت وقضت. هكذا ” تَائِهُون ” تحدّثت.

تحدّثت وبكت، بكت، بكت. بكت بعبرات حرّى مهراقة : آهِ، يا إشراق الشارقة بغروبها، عُودِي، بربّك عودي! عودي، ولو للحظة، ولو لِلَمْعَة حتى نعيد لك إنشاء هذا العالم ونفرشه إليك ورودا وزهورا، عودي! عودي عسانا نُنْجِيِكِ فنُنْجي أرواحنا التّائهة التي ضاعت في العتمة، في ليل الوجود البهيم، ضاعت في الظلمة وما عادت. عودي لننقذك وننقذ أنفسنا بإنقاذنا لك. أَلاَ عودي!      

                                                                                            ( يتبع )

                                                                                          محمد مومن

هوامش

١ – ” تَائِهُونْ ” لنِزَارْ السَّعِيدِي عن نص له بالاشتراك مع عَبْدِ الحَلِيمْ المَسْعُودِي الذي زاد وتكفّل بمعالجته دراماتورجيّا.

٢ و٣-  ” بْرُولُوغْ  ” : إِشْرَاقْ، ”  تَائِهُون “.

٤- إِمِيلْ بَانْفَينِيسْتْ  Émile Benveniste

٥ – جَانْ مَارِي كُولْتِاسْ، ” فِي وِحْدَةِ حُقُولِ القُطْنِ “،

  Jean – Marie Coltès, Dans la solitude des champs de coton

٦-  غِي دِيبُورْ  Guy Debord    

٧ –  رُوجِي كَايْوا Roger Caillois 

٨- الدّوَخَأن  Illynx 

٩- فْرَانْسْوَا جُولِيَانْ ” التَّحَوُّلاَتِ الصَّامِتَةِ “، François Julien

١٠-  نَتَالِي سَارُوت، Nathalie Sarraute

١١ – دَانٌتِيَّة أو دَانْتَسْكِيّة : نسبة إلى دَانْتِي أَلِيغِيِيرِي،  Dante Alghieri

١٢- نِسْبَةً إِلَى أَبُي العَلاَءِ المَعَرِّي   

١٣-  أَلْبَارْ كَامُو، ” السّقُوطْ ”    La Chute, Albert Camus

١٤-  عنوان المسرحية باللغة الانجليزية هو Dark Side

١٥ –  بْرُولُوغْ  ” : إِشْرَاقْ، ”  تَائِهُون “.

١٦ –  فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ / وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا “.

١٧ –   الحلاّج

١٨  -لحظات حديث المسرح حول المسرح؛ عن المسرح بلغة المسرح؛ المسرح في المسرح.

١٩  – أَنْطْوَانْ فِيتَازْAntoine Vitez

فريق التحرير

فريق التحرير

© 2021 تونس مباشر - يمنع نسخ المواد دون الحصول على اذن مسبق.

No Result
View All Result
  • وطنية
    • سياسة
    • جهات
  • عالمية
  • صحة
    • اخبار كرونا
  • اقتصاد
  • رياضة
    • كرة قدم
  • ثقافة
    • مرأة
  • حديث الساعة
  • كتاب وأقلام
  • أوتار حُرّة
  • منوعات
    • محيط
    • أوراق منسية
  • مباشر غزة
  • دروب

© 2021 تونس مباشر - يمنع نسخ المواد دون الحصول على اذن مسبق.

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In