
تظاهرة الخروج للمسرح التي نعيشها هذه الأيام تثير الانتباه وتحرك فينا أسئلة راكدة حول حياتنا المسرحية في تونس. ويبدو أن هذه التظاهرة التي يقيمها قطب المسرح والفنون الركحية (بمسرح أوبيرا تونس إدارة محمد الهادي الجويني) للمرة الثالثة قد بلورت في دورتها الأخيرة علاقة صحية بين المسرح والجمهور.
علاقة بين مسرح جاد تنتجه كوكبة من المسرحيين وبين جمهور مسرحي لم تأت به الصدفة ولا عادة الحاجة للظهورية كما في المهرجانات المسرحية التي تزدحم بالضجيج وتفتقر للمسرح. وما المسرح والجمهور غير تلك العلاقة النقية المحمولة على تقاسم الشغف بين المبدع المسرحي وبين المتفرج اليقظ.
مهندسو هذه التظاهرة (جميلة الشيحي والشاذلي العرفاوي وصادق الطرابلسي) نجحوا اليوم دون تكلف و لا إدعاء لإتمام نهاية مسرحية كارل فالنتين Karl Valentin ” الخروج للمسرح ” La Sortie au Théâtre … نعرف أن مسرحية هذا الكاتب الألماني تروي تردد زوجين و هما يستعدان للذهاب للمسرح , لكن هطا التردد و الانغماس في التفاصيل المعطلة حالت في نهاية الأمر دون خروجها للمسرح.
مهندسو هذه التظاهرة استلفوا بذكاء طريف عنوان المسرحية ليكون عنوان تظاهرة موسمية للمسرح التونسي تدشن الموسم المسرحي الوطني كله.
ندرك أن الحاجة أم الابتكارات، ندرك أن جائحة الكوفيد كانت وراء نشأة هذه التظاهرة المحتشمة المعبرة عن الحاجة الداخلية لاستنشاق هواء أوكسيجيني مسرحي كان ممنوعا عن المسرحيين أكبر ضحايا هذه المحنة التي منعتهم منذ سنتين من الحياة ومن التنفس وحتى من الكرامة.
لذلك فحسب أصبح تظاهرة “الخروج للمسرح” عميقة الدلالة وشاسعة الأفق بعد النجاح المفاجئ لهذه الدورة التي احتضنت أغلب بواكير المسرح التونسي لتعطي شارة الانطلاق لمسار المسرح التونسي.
كل ذلك يحدث بعقلية تواضع وحماسة افتقدناها في نشاط المسرح التونسي. جمهور نوعي من المسرحيين أولا ومن طلبة المسرح ومن عشاق المسرح يحتشدون أمام قاعة “مسرح الجهات ” ليعكسوا صورة ناصعة من التحضر والرقي والانضباط و عروض مسرحية متنوعة الطروحات محمولة على كاهل مسرحيين من الشباب والشباب الصاعد الذي يواصل مسار المسرح التونسي , برهان لا تزوغ عنه العين لأهمية المسرح الجاد وعلاقته بجمهوره الحقيقي بعيدا عن الاستهلاك والإسفاف والسلعنة و بازارات الفرجة و تأكيد على أن “الخروج للمسرح ” هو خروج من ظلمات الكسل الاستهلاكي إلى أنوار الحياة التي كلها ركح مسرحي على حد عبارة الشاعر المسرحي اليوناني بلاداس الأسكندري Palladas d’Alexandrie ( القرن الخامس قبل الميلاد) حين يقول : “العالم ركح مسرح و الحياة لعب , تعالى إذن نتعلم اللعب.
صحيح أن لا أحد في تونس يعطي إشارة انطلاق الموسم المسرحي التونسي غير المبادرة الفردية الخاصة لمسرح التياترو لتوفيق الجبالي الذي دأب على افتتاح الموسم المسرحي منذ أكثر من ثلاثين عاما, لكن تظاهرة تظاهرة “الخروج للمسرح ” تظاهرة تكاد تكون مهرجانا للمسرح التونسي مهرجان خفي الإسم بعد أن قبر مهرجان المسرح الوطني التونسي الذي أقام دورة يتيمة حملت اسم منصف السويسي عام 2019 .
ولهذا فحسب فإن تظاهرة “الخروج للمسرح “بإمكانها مستقبلا أن تتطور على مستوى برمجة العروض الوطنية ونعتقد أن إدارة التظاهرة مؤهلة لذلك أيما تأهيل.
فالقائمون عليها مسرحيون بالأساس و علاقتهم بالمسرحيين التونسيين خاصة الشباب منهم علاقة عضوية يعرفون جيدا كواليس و زواريب ما يحدث في الحياة المسرحية التونسية، و عليه بإمكان هذه التظاهرة أن تكون مهرجانا وطنيا حقيقيا للمسرح التونسي منفتح على الجميع، مهرجان يعكس بشكل صادق ما يعتمل في المسرح التونسي و يكون في ذات الوقت مقدمة لمهرجان أيام قرطاج المسرحية , و هذا أمر ممكن و ضروري .
أعتقد شخصيا أن تظاهرة “الخروج للمسرح ” تظاهرة صحية خالية من كوليسترول البهرج والادعاء والظهورية والشّللية والاستهلاكية … وهي ببساطة بإمكانها أن تتحول مهرجانا مسرحيا على شاكلة مهرجان الخريف Festival D’Automne للمسرح الفرنسي الجاد في باريس.
أخيرا أفضل عنوان “الخروج للمسرح” لأنه حرف “اللام” يفيد الاستعداد والغرضية والأجلية من أجل أن يكون فعل الخروج فعل إرادة وتقاسم وممارسة للتلقي عوضا على “الخروج إلى المسرح ” التي تفيد فقط الخروج إلى المكانية.

