بقلم عبد المنعم الزغلامي
وكانت طائراتها نظيفة وأنيقة يُستطاب عليها السفر.
يوم السبت الماضي تأكد من كانت عنده بقايا شكّ ان “تونس الجوّية” التي عرفناها، قد انتهت وأن الأمر يحتاج معجزة لإنقاذ هذه الشركة الوطنية وجعلها تستعيد دورها واشعاعها.
ونقولها بوضوح منذ البداية: المشكلة ليست مشكلة إمكانيات أو تجهيزات أو نقصٍ في الموظفين والعملة.
المشكلة تبدو أخطر من ذلك بكثير لأنها أصبحت مسألة عقلية يميّزها اللامبالاة وعدم الاكتراث بالمصلحة العامة والتنكّر لتقاليد العمل الحسنة والتنصّل من كل مسؤولية.
وهذا ملخّص مقتضب لما حدث: كانت الرحلة 722 نحو باريس-وهي رحلة الأمتياز في تقاليد الشركة- مبرمجة للساعة 13 و30د.
متى انطلقت؟ في السابعة مساءً! أي ان انتظار المسافرين دام حوالي 8 ساعات اعتبارا الى ان الحضور والتسجيل يكونان ساعتين قبل الإقلاع المفترض، أي في الساعة الحادية عشرة والنصف 11و30.
طوال كل الساعات الثمانية التي استغرقها الانتظار كان المسافرون بمثابة المحتجزين لا يعلمون شيئا عن مصيرهم ولم يكلمهم أحد، ولم تُقدّم لهم أية معلومة عن سبب التأخير ومتى ينتهي.
كذلك لم تُسْدَ لهؤلاء المسافرين الذين نال منهم التّعب والعطش والجوع -ومنهم من كان مصحوبا بابنائه الصغار- أي خدمةٍ تُذكر، وانتظر الجميع طويلا قبل أن يحلّ عامل بصندوق من السندويشات شرع في توزيعها في البهو المحاذي لقاعة الأنتظار، في مشهد بائسٍ لا يشرّف مؤسسةً اقترن إسمها بتاريخ تونس المستقلة، وتجاوز عمرها السبعين سنة-إذا اعتبرنا ان تأسيس “تونس الجوية”يعود إلى سنة 1948.
لكن الغريب هنا أنه حين حلّت ساعة الخلاص وأُعلن عن التوجّه نحو الطائرة للسفر، ظهر فيلق كامل من سبعة أعوان مهمّتهم التثبت من التذاكر، وهي عملية بسيطة لا يتجاوز عدد الذين يقومون بها في كل مطارات العالم شخصا واحدا أو شخصين اثنين.
لم تنته المفاجآت لأن الطائرة التي كانت تحتوي على “جناح لدرجة بزنس” لم يكن بها ستار يفصل هذه الدرجة عن”الدرجة الاقتصادية”، وهو ما لا يمكن تخيّل وجودته في أي شركةِ طيران لما في ذلك من إخلال بشروط الإحترام و الخصوصية.
وكانت النهاية الكبيرة لهذه الرحلة هبوط الطائرة في مطار شارل دي غول الذي يبعد حوالي خمسين كلم عن العاصمة باريس، عوضا عن مطار أورلي الذي يغلق أبوابه في الساعة الثامنة مساءًا.
وهنا كانت مفاجأة اخرى: لم يكن هناك أي مسؤول عن “تونس الجوية” لإرشاد أو طمأنة المسافرين الذين اضطرّهم تغيير المطار الناتج عن تأخّر الطائرة، مراجعة حساباتهم للوصول الى منازلهم.
هذه صورة خاطفة عن طريقة العمل والتعامل لناقلتنا الوطنية في زمن التحرر الاقتصادي والمنافسة الشرسة والتسابق الى التميّز.
لم يكن التأخير خاصا برحلة باريس بل شمل كل الرحلات الأخرى في ذلك اليوم، استرازبورغ، دبي… كل الطائرات تخلفت عن مواعيدها بمعدل 6 ساعات.
وفي كل الحالات لم يكن هناك اتصال ولا تفسير ولا اعتذار. وكأن ذلك هو القاعدة في حين يمثّل الالتزام بالتوقيت وحسن الاستقبال والمعاملة شذوذا يُحفظ ولا يُقاس عليه.
بعد التوصل الى اتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي، برزت مخاوف من التفريط في المنشآت العمومية كما يشترطه الصندوق.
قد تكون هذه المخاوف مفهومة بالنسبة لبعض الشركات، لكن لا نتصور انّ هناك من يمكنه التفكير في شراء “تونس الجوية” بكذا عقلية وكذا ممارسات.
يا أهل “تونس الجوية ” ناموا ملء جفونكم، لن يفكر أحد في شراء شركتكم. مجنون من يفكر في ذلك.
