في خطوة مفاجئة خاصة بالنسبة للحكومة قام صندوق النقد الدولي يوم الأربعاء 14 ديسمبر 2022 بحذف النظر في الملف التونسي من جدول اجتماع مجلس إدارته يوم الاثنين المقبل كما لم يتم إدراج النظر في الملف التونسي خلال اجتماعات مجلس إدارة الصندوق التي ستنعقد إلى حدود يوم 22 ديسمبر الجاري وهو ما يعني آليا أن النظر في مطلب تونس إن تم فلن يكون إلا في شهر جانفي المقبل.
الثابت أن المسالة لا علاقة لها بمحتوى الملف التونسي الذي لبى كل شروط صندوق النقد الدولي بل وشرع في تطبيقها وهو ما حدا بالصندوق إلى الموافقة يوم 15 أكتوبر الماضي على مستوى الخبراء التقنيين بمنح تونس مبلغ 1,9 مليار دولار على أربع سنوات شرط المتابعة الدورية منه لكيفية متابعة تنفيذ شروطه التي قبلت بها الحكومة.يبدو أن العلاقة بين تونس وصندوق النقد شهدت بعض التوتر في المدة الاخيرة مع اقتراب موعد اجتماع مجلس ادارة هذه المؤسسة المالية الاكبر في العالم والتي ان رضيت على دولة فانها ستنال القبول من باقي المؤسسات المالية سواء كانت عالمية او قارية او اقليمية وتوفر لها الدعم المالي من تلك المؤسسات وايضا في اطار تعاونها الثنائي مع باقي الدول وان رفع صندوق النقد “الفيتو” امام أي دولة فستغلق امامها كل “حنفيات” التمويل ويتم “عزلها” ماليا وهذا الامر يمثل الجرح النازف لتونس والذي دفعها إلى القبول بكل شروط صندوق النقد رغم مرارتها وصعوبة “هضمها” وطنيا سواء من قبل الحكومة ذاتها او المنظمات الوطنية او الاحزاب وسيتحمل كلفتها المواطن غلاء وصعوبة في العيش وهو الذي يعاني اصلا من اهتراء قدرته الشرائية بشكل غير مسبوق وسيصبح بلا قدرة اصلا مع رفع الدعم كما ان نسبة البطالة المقدرة حاليا حسب احصائيات رسمية بما يقارب عن 16 بالمائة والمؤكد انها ارفع من هذه النسبة بكثير حقيقة سترتفع في ظل التفويت في المؤسسات العمومية المتعثرة ومن سيقتينها سيقوم باعادة هيكلتها واول الخطوات في هذا الاتحاد هو اعادة هيكلة رصيدها البشري لانه نقطة ضعفها الاولى فهي تشغل فوق حاجتها بشكل لافت.
رغم كل تلك الانعكاسات السلبية للاتفاق مع صندوق النقد الدولي إلا ان الحكومة وافقت عليه بحذافيره رغم انها تعي ان نسبة التضخم المقدرة حاليا بـ9,2 بالمائة ستكون ذات رقمين مع نهاية هذا الشهر او الشهر القادم على اقصى تقدير وتعي ايضا ان المواطن في غضب كبير جراء هذه الوضعية وهو ما دفعها إلى التلاعب بالارقام والنسب تحت شعار “انا لا اكذب ولكنني اتجمل” على امل امتصاص بعض غضب المواطنين وتوفير امال لهم بغد افضل.ان تاخير النظر في الملف التونسي سيصيب الحكومة بارباك كبير وهي التي اجلت الاعلان عن قانون المالية للعام القادم إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي ليس انتظارا للقسط الاول لانه لن يغير في وضعيتها المالية شيئا بل ليفتح الباب امامها للتواصل مع مؤسسات مالية اخرى عالمية وقارية واقليمية ولنيل تمويلات من دول صديقة وشقيقة ومع هذه الخطوة المفاجئة من صندوق النقد الدولي فان كل ما روجته الحكومة عن تلقيها لتمويلات مهمة من دول ومن البنك الافريقي لتمويل التجارة سقطت في الماء وهو ما سيضعها في حرج كبير حول كيفية اعداد قانون المالية بل سيدفعها إلى اجراء وحيد بقي امامها وهو مزيد الاعتماد على الجباية لتوفير موارد مالية للميزانية الجديدة مع ما يعنيه ذلك من مزيد مضاعفة الضغط الجبائي على المواطن والمستمثر اللذين اكدتا المنظمتين المسؤولتين عنهما نقابيا اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة رفضهما المطلق لاي زيادة في الاداءات المفروضة على منظوريهما بل وصل الامرب باتحاد الشغل إلى اعتبار ان التصدي للضعط الجبائي هو معركته المقبلة وانه لن يألو أي جهد لمنع ذلك.
يبدو جليا ان قرار صندوق النقد الدولي هو سياسي بالاساس لان الحكومة لبت مطالبه الاقتصادية لكنها في المقابل عجزت عن توفير الاجماع حول ما ستسير فيه من إجراءات وهو ما عكسته مواقف اتحاد الشغل ومنظمة الاعراف ومنظمات ونقابات قطاعية اخرى كما ان الحكومة لم تقدم ما يوحي للصندوق بانها متحكمة في زمام الامور وانها قادرة على تنفيذ نعهداتها لان الصندوق يعلم جيدا ان هذه الحكومة ما هي إلا ظل للرئيس قيس سعيد وان لا قدرة لها على ابرام أي امر إلا باذنه وان الرئيس قيس سعيدج وان لاعتبارات ظرفية ما فتئ يعلن في كل مرة ان تلميحا او تصريحا رفضه تنفيذ اهم بندين واردين في الاتفاق مع الصندوق وهما رفع الدعم والتفويت في المؤسسات العمومية وهو ما دفع ادارة الصندوق وان بطريقة غير رسمية إلى اشتراط ان يمضي الرئيس قيس سعيد بنفسه على الاتفاق ومن البديهي ان لا يقبل الرئيس هذا الامر لانه سيسحب منه احدى اهم اوراقه التواصلية مع التونسيين والقائمة على تحميل مسؤولية الازمة إلى المحتكرين والمتآمرين ولانه لم يلق القبض على أي منهم إلى حد الان على الاقل فان امضاءه على اتفاق موجع للتونسيين دون محاسبة من نهبوا خزينة الدولة وتلاعبوا بقوت شعبها يعني بصورة او اخرى انه سيبحث عن موارد مالية للدولة من خارج استرداد الاموال المنهوبة وتحميل المسؤولية لمن يستحقها.
هذا الأمر أكده الخبير الاقتصادي آرام بلحاج اول امس في تدوينة على صفحته على الفايسبوك مبينا ان سحب ملف تونس من اجتماعات مجلس إدارة صندوق النقد الدولي مرتبط أساسا بعدم ختم رئيس الجمهورية قيس سعيد قانون المالية 2023 ونشره بالرائد الرسمي معتبرا ان يجري “عبث” من طرف القائمين على شؤون البلاد..
والمؤكد ان هذا العبث – إن وجد- ليس وليد هذه الفترة بل منذ انطلاق مفاوضات تونس مع صندوق النقد في الاعوام الماضية خاصة حول الاتفاق على القرض المدد عام 2016 حين عرض الصندوق نفس هذه الشروط على تونس والتي كان بالامكان وقتها تطبيقها بطريقة متدرجة تراعي مختلف التوازنات الاقتصادية والاجتماعية ولا تشكل عبئا ثقيلا على المواطن لكن لحسابات سياسية عبثية اهملت المصلحة الوطنية خاصة من طرف اتحاد الشغل الذي أشهر وقتها ما لا يحصى ولا يعد من الخطوط الحمراء تم صرف النظر عن الإصلاحات فزادت متاعب البلاد وامتدت إلى مواطنيها و”وقفت الزنقة بالهارب” وصار لا خيار أمام تونس إلا تطبيق تلك الإصلاحات رغم آلامها ولا خيار أمام المواطن إلا الصبر على الألم والاهم ان يتم تحميل المسؤوليات بصرامة خاصة لمن اوصل البلاد إلى هذه الوضعية بخطوطه الحمراء لانه لا معنى لضرب المشهد السياسي عبر تحجيم الاحزاب فقط بل ايضا عبر تحجيم مكونات اخرى كانت أكثر فعلا في المشهد السياسي من الاحزاب وشريكة معها في تعطيل الاصلاحات لحسابات سياسية لا علاقة لها بالعمل النقابي.
عادل الطياري
