اثار قرار البنك المركزي الاخير القاضي بالترفيع في نسبة الفائدة المديرية بـ75 نقطة لترتفع من 7,25 بالمائة الى 8 بالمائة والصادر الجمعة الماضي جدلا كبيرا خاصة ان هذه الزيادة لن تحقق أي اثر مرتقب في خفض نسبة التضخم تماما كما كان حال الزيادات السابقة واخرها في أكتوبر الماضي لان التضخم ليس وليد توفر سيولة مالية كبيرة سبقت الطلب على العرض بل نتاج أسباب أخرى داخلية وخارجية اضرت بالدينار وبكلفة المنتجات ما أدى الى رفع أسعارها.
وكان مجلس إدارة البنك المركزي التونسي رفع خلال اجتماعه يوم 5 أكتوبر 2022 نسبة الفائدة الرئيسية للبنك المركزي التونسي بـ 25 نقطة أساسية لتبلغ 7,25المائة.كما سبق له، أن أقدم على رفع نسبة الفائدة الرئيسية خلال اجتماعه يوم 17 ماي 2022 بـ 75 نقطة أساسية لتبلغ 7 بالمائة في وقت شهدت فيه تونس ضغوطا تضخمية.
فسر البنك المركزي قراره ذاك بانهسيسمح بحماية المقدرة الشرائية للمواطن والمحافظة على احتياطي العملة الصعبة وتوفير الظروف الملائمة لتحقيق انتعاش اقتصادي سليم ومستدام وهو ما يطرح الف سؤال وسؤال حول إمكانية تحقيق ذلك وأيضا حول جدية البنك المركزي في معالجة الازمة التضخمية ام انه صار تماما كباقي السياسيين الفاعلين في البلاد مختصا في بيع الأوهام وتفسير ما يحدث بما لا يمكن تفسيره او تبريره بالاستناد الى ابسط قواعد السياسات النقدية.
رد البنك المركزي أسباب قراره ذاك بسعيه الى مواجهة التضخم وهو ما لم يتم اذ شهد هذا “الغول” ارتفاعا متواصلا حيث كان في مفتتح 2022في مستوى 6.7 % ليصبح في فيفري الماضي في مستوى 7 % ليصل في مارس الى 7.2 % وفي أفريل 7.5% وفي ماي 7.8 % ثم في جوان 8.1 % وارتفع في جويلية الى 8.2 % لينطلق من شهر أوت في الانفلات من عقاله بصورة كبيرة حيث وصل الى 8.6 %ثم بلغ في سبتمبر 9.1 % وفي أكتوبر9.2 %ليجن جنونه في نوفمبر بوصوله الى 9.8 % والمؤكد انه سيصبح برقمين في شهر ديسمبر والاشهر القادمة من العام الجديد.
وهو ما يعني ان الترفيع في نسبة الفائدة المديرية لم يغير شيئا في الامر بل ان ضرره كان اكثر من نفعه هذا ان ثبت ان له نفع أصلا.
يصر البنك المركزي على معالجة الخطأ بالخطا معتقدا ان التحكم في التضخم لا يتم الا بالترفيع في نسبة الفائدة المديرية وتعتمد هذه الآلية بشكل مبسّط على الترفيع في سعر الفائدة التي تدفعها البنوك التجاريّة للبنك المركزي للحصول على السيولة التّي يتمّ توجيهها لاحقا في شكل قروض استهلاكيّة أو بغرض الاستثمار وفق نسب فائدة لا تقل عن سعر الفائدة المديريّة للبنك المركزي وعلى هذا الاساس فان الترفيع في نسبة الفائدة المديرية يؤدي إلى كبح جماح عمليات الاقتراض وتقليل نسبة السيولة في السوق الماليّة مما سيؤدي إلى خفض نسبة التضخّم لكنّ هذه السياسة الماليّة وإن كانت تفضي إلى تخفيض وتيرة القروض وكنتيجة مباشرة لذلك تخفيض نسق الاستهلاك، إلاّ انّها تنعكس بشكل مباشر على مستوى الاستثمارات مما يحد من النموّ الاقتصاديّ ويرفع كلفة عديد المنتجات وثبت خلال السنوات الفارطة التي تم فيها الترفيع في نسبة الفائدة المديرية ان نسق الاقتراض لم يتراجع من المواطنين رغم صعوبته لانه لا خيار امامهم لمواجهة تغول الاسعار الا بمزيد الاقتراض خاصة ان التونسي بارع في تبرير الامر تحت شعار «احييني اليوم واقتلني غدوة» كما ثبت ايضا ان المجموعات الاقتصادية الكبرى في تونس التي لا تمثل الا 30 بالمائة من مجمل النسيج الاقتصادي لا يضيرها الترفيع في نسبة الفائدة المديرية لانهاستسفيد من ذلك في ارتفاع فوائد القروض لان مالكي المؤسسات الكبرى هم انفسهم مالكون لاسهم كبيرة في البنوك كما انهم في كل مرة يتم الترفيع فيها في نسبة الفائدة يقومون بالترفيع في اسعار منتجاتهم بداعي تضررهمكما ان تلك المؤسسات الكبرى لا تعوزها الحيلة في ايجاد خطوط تمويل لمشاريعها لان اغلبها كما اشرنا مساهم في البنوك وما تربحه من القطاع البنكي الذي هو الوحيد تقريبا في تونس الذي يحقق ارباحا مقارنة بباقي القطاعات تستثمره في تمويل باقي مؤسساتها ليبقى المتضرر الاكبر هي المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل 85 بالمائة من نسيج البلاد الاقتصادي وتستوعب العدد الاكبر من العاملين لتعاني الامرين لتمويل انشطتها مما حكم على العديد منها بالافلاس او بالبقاء في وضعها “الصغير” دون توسعة ودون تنمية لطاقاتها التشغيلية.
عادل الطياري
