
عندما أطل المناضل النقابي الكبير المرحوم الحبيب عاشور من شرفة المقر الرئيسي للإتحاد العام التونسي للشغل على الجماهير المحتشدة في ساحة محمد علي، ذات يوم غائم من أيام شهر جانفي 1978، وأطلق قولته المرعبة وهو في حالة إنفعال شديد : ” تونس ستحترق “! أمر الرئيس الحبيب بورقيبة بإيقافه فورا.
وبالرغم من اعتذاره لاحقا فإن بورقيبة أصر، إصرارا شديدا، على تنفيذ أمر إيقافه.
حاول بعض المقربين منه وخاصة زوجته وسيلة بن عمار إقناعة بضرورة التراجع عن قراره لتجنيب البلاد مخاطر الصدامات الدامية، لكنه رفض كل المقترحات رفضا مطلقا، مذكرا بان هيبة الدولة فوق الجميع حتى وإن أدى الحرص على صيانتها إلى حدوث خسائر جانبية، لأن خسارة الدولة لهيبتها ونفوذها أخطر من كل الخسائر الممكنة.
وفي خطاب له قال بورقيبة أن الحبيب عاشور هو رفيقه في النضال، وكان له الفضل في تعبئة الجماهير وخاصة النقابيين لنصرته في أغلب المعارك التي خاضها ضد خصومه السياسيين، ولكن عندما توضع هيبة الدولة في ميزان التحدي فإن مسؤوليته تحتم عليه حمايتها مهما كان الثمن.
أردت التذكير بهذه الواقعة لمزيد التأكيد على ان هيبة الدولة لا تخضع لأي شكل من أشكال المساومة، مهما كانت الحالات والظروف، وكل تنازل عن هذه الهيبة يزيد في تكثيف محاولات تحديها والإطاحة بها، وهو ما دأبنا على معاينته منذ الرابع عشر من جانفي 2011، فبٱسم الحرية المزيفة والديمقراطية المغشوشة تقترف أشنع الآثام ضد الدولة ويتم تمريغ هيبتها في اوحال الإهانة والتشويه، ويتجرأ الخارجون عن القانون على تهديد الدولة عبر منابر إعلام الفوضى والسوقية والتحريض.
لا يمكن إصلاح الحال بدولة بلا هيبة.
