
بدأتْ ملامح الحوار الوطني تتّضح بعد تصريح عميد المحامين الذي لمّح بوضوح أنّ الأحزاب سوف لن تُدْعَ لهذا الحوار إذ هي جزء من ما تعانيه اليوم بلادنا من مشاكل سياسيّة واقتصاديّة إذ كانت السمة العامة الذي تميّزت بها بلادنا طوال العشريّة السابقة هي الخلافات والانتهازيّة والقضاء على مقوّمات الدولة وقد ساهم في ذلك كلّ الأحزاب وذلك بمشاركتها المتفاوتة في الحكم وكانت هذه المساهمات تصبّ كلّها في مصلحة هذه الأحزاب بتولّيها الوزارات والمساهمة في التشريعات وبعيدا عن مصلحة الوطن وكان ذلك بالقيادة الرسميّة لحركة النهضة التي هي ما هي.
لذلك لا يمكن أن تكون هذه الأحزاب جزء من الحلّ الذي تنشده هذه المنظّمات من الحوار فإبعاد الأحزاب الذي عبّر عنه العميد سيلطّف الأجواء نوعا ما وسيدفع رئيس الجمهوريّة لقبول “الإشراف” على الحوار لا المشاركة فيه وهذا سوف لن يكون إلّا بشرط فما هو هذا الشرط ؟
هذا الحوار ستشارك فيه منظّمات وطنيّة منتخبة من فئات من الشعب لكن بما أنّه حوار سيجمع هياكل وطنيّة منتخبة من منظوريها فإنّ الرئيس سيقترح للإشراف على هذا الحوار- أن يضمّ هيكل آخر منتخب ويضمّ كلّ فئات الشعب التونسي وهو “مجلس نواب الشعب” الذي ليس هنالك أي مبرّر لإقصائه من الحوار؟
خاصة أنّ الحوار سيتناول إصلاحات متعدّدة لكن كلّها ستقوم على الإصلاح السياسي الذي بدونه لا يمكن أن تستقرّ الأمور لفتح الباب للإصلاحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة الضروريّة لاخراج البلاد من ما تعانين من جرّاء العشرة الفارطة (هذا يسطّر بألف خطّ أحمر) إذ في رحاب هذا المجلس سيمكن القيام بالإصلاحات السياسيّة الضروريّة لاستقرار البلاد وسيكون ذلك بمجرّد استكمال المشروع الرئاسي بإقامة الدورة الثانيّة للانتخابات التشريعيّة.
و يجب أن لا يفهم من هذا أنّ على القائمين على الحوار أن يترقّبوا هذه الدور الثانيّة إذ هناك اليوم نواب نجحوا من الدور الأوّل يمكن لبعضهم تمثيل البرلمان في الحوار, المهمّ أن تتمّ الموافقة المبدئيّة لمشاركة البرلمان.
فمشاركة مجلس نواب الشعب في الحوار ضروريّة إذ هو الذي سيقوم بتعديل الدستور إن وقع الاتّفاق على بعض التعديلات وكذلك إعادة النظر في بعض فصول المجلّة الانتخابيّة وذلك استعداد للمحطّات الانتخابيّة المقبلة.
ثمّ إنّ هذا الحوار لا يمكن مقارنته بحوار 2013 إذ أنّ الرئيس الذي كان على سدّة الحكم و الذي رفض المشاركة في الحوار لم يكن منتخبا مباشرة من الشعب في انتخاب حرّ ومباشر والمجلس التأسيسي وقتها لم يكن شرعي إذ انتخبَ لوضع دستور في مدّة سنة فبقي ثلاث سنوات وحكم البلاد كما أراد واشتهى وخاصة أنّ المشاركين في حوار 2013كانوا هم السبب في الأزمة التي كان هدف الحوار حلّها لذلك فإنّ المشرفين على ذلك الحوار وجدوا صعوبات كثيرة من هذه الأحزاب وخاصة من حركة النهضة التي نجحت في التحكّم في مخرجات الحوار –وهذا يطول شرحه- وكانت نتيجته أنّ النهضة خرجت من الباب ورجعت من الشباك وتحكّمتْ في مقدّرات الدولة إلى أن جاء الخلاص الحقيقي منها يوم 25 جويليّة 2021 ثمّ إنّي تصريحات عميد المحامين المتتاليّة تدلّ أنّ عمادة المحامين ستكون طرفا فاعلا في الحوار- إن قدّر له أن ينعقد- وسوف لن تترك التحكّم فيه للاتّحاد مثلما وقع في سنة 2013.؟
والخلاصة أنّ الشعب التونسي يترقّب حوار لا لمجرّد الحوار أو للتظاهر أو ليكون فرصة لبعض المشاركين فيه لتنفيذ مخطّطاتهم أو لِتَمْصِ معالم 25 جويليّة بكلّ ما فيه ومحاولة التفكير في الرجوع إلى ما قبله.
لذلك ندعُ الجميع رئيسا ومجلس نواب ومنظّمات وطنيّة وشخصيات وازنة -إذ وجدتْ في الحوار- ليضعوا المصلحة الوطنيّة فوق كلّ اعتبار ونعد الجميع بأن نكون بالمرصاد لكشف كلّ من يحاول أن يأخذ الحوار لغير ما وضع له كأن يحاول افشاله لأسباب واهية أو يطالب من خلاله بأمور ليس من صميم الحوار أو أن يركبه لتحقيق مصالح بعيدة عن مصلحة الوطن
