
اللاّشىء.ولكن ما هذه “الايام” وماذا تعني وماذا تتضمّن؟ سهولة واستسهال الأمر على غاية من السهولة والاستسهال.
ويتمثّل في جمع عروض(سينمائية أو مسرحية) أو حفلات (موسيقية) في أيام محدودة، ودعوة بعض الأجانب لها، ورشّها ببعض اللقاءات تحت مسميات رنانة مفخّمة من نوع “ندوة علمية”، أو “جلسة فكرية”، أو “ورشة لتبادل الخبرات”.
وهذا كلّ شيء.
نحن نقف هنا على حدود سوء الإدارة السيّئةإذا قارنّا بين التّكلفة والمردود. ولسنا في حاجة الى ذكاء كبير للحكم على أن هذه الأيام لا تُقدّم شيئا كثيرا، وللقول، دون خشية ان يخالفنا أحد، إن مردودها محدود جدا، يكاد يكون معدوما.
لنقفْ مثلا عند هذه “الأيام الموسيقية” ولنسأل:ماذا قدمت الدورة الماضية لنشر الفنّ الجيّد والارتقاء بالذوق العام الذي يتدنّى كل يوم أكثرَ، بدعم رسمي من تلفزات الابتذال وإذاعات الرداءة ، ماذا أضافت للمخزون الوطني الموسيقي والغنائي، وماذا بقي منها في الذاكرة الجماعية أو الفردية على حدّ السواء؟
أليس ذلك ما كان منتظرا ومطلوبا؟ ثمّ هل وقع تقييمها، هل حُددت نقاط ضعفها، هل دُرست آفاق تطوّرها وجدواها حتى نواصل تنظيمها هذه السنة بنفس المكونات وبنفس الطريقة؟
داء اسمه المهرجانات
الحقيقة ان”أيام قرطاج الموسيقية”وغيرها من مثيلاتها من التظاهرات تتنزّل من التصوّر السائد للعمل الثقافي والذي انحصر عندنا في فعل متكرر منذ عقود من الزمن، عزلَ الثقافةَ عن تطلعات الجماهير الشعبية، وأُفرغها من طاقتها الإبداعية، وأضعف قدراتِها على تغيير الواقع، وحوّلها في النهاية الى سوقٍ لصغار المتاجرين باسم الفنّ وبعض مجموعات المصالح المنتظمة في شكل “مافيات” تصول وتجول.
والسبب وراء هذا الوضع له اسم واضح:المهرجان.
الثقافة التونسية مصابة بداء المهرجان. مهرجان يعقبه مهرجان، ولا يكاد يختلف مهرجان عن آخر. وما يتغيّر فقط هي التسمية فنقول “أيام” او “ليالى” أو “اسبوع” أو “موسم” للإيهام بالمبتكر وبالجديد وما هو في الحقيقة الّا مهرجان آخر كل مرة وهو نفس المهرجان.
حتى ان العمل الثقافي أصبح مهرجانا لا ينتهي، ووزارة الثقافة إدارة كبيرة لتنظيم المهرجانات، منفقةً كبرى جهودها في هذا الباب ذي اللحظي والزائف، ومتخليّة عن مهامها الأساسية من تأطير وتكوين وتوجيه، ومن تمكين الجماهير الشعبية في مختلف مناطق البلاد من حقها في الوصول الى الأنتاجات الإبداعية و الانتفاع بمزايا الثقافة تنويرا للعقل، وإيقاظا للوعي، ورفعةً للذوق، وتعزيزا للانتماء، وتحفيزا على الاندماج والاسهام في العمل.
أليست الثقافة في النهاية رافعة من روافع التنمية؟
آلة تقطيع
اللحمواذا كانت المهرجانات قد لعبت دورا في عقود ما بعد الإستقلال وقرّبت الجماهير من الإنتاج الثقافي وساعدت في نفس الوقت على بروز منتجين في مختلف أشكال الفنون الحيّة ومكّنت من الانفتاح على الثقافات الاخرى، وشجّعت على تحرير المبادرة المحلية ودعمت الإدارة الثقافية الذاتية، إلا أن كل ذلك يبدو قد توقّف ولم تعد صيغة المهرجان تؤدي دورها السابق بعد ان تحوّل المهرجان الى آلة لتقطيع اللحم une machine à couper la viande، أيّا كان نوع اللحم فإنها تُخرجه مقطوعا بنفس الشكل. مسرحا كان أم موسيقا أم سينما أم رسما…، فإن المهرجانات كلها مكررة لنفسها ومتشابة، ولم يعد مهرجان العنب يختلف عن مهرجان الشعر، ولا مهرجان المألوف مختلفا عن مهرجان القرنيط…
لكن الأخطر في كل هذا ان الوزارة نفسها منخرطة في عملية تواصل ظاهرة المهرجانات وانتشارها وهي تتحمل القسط الأكبر من مسؤولية ما أدت إليه هذه المهرجانات من رداءة عامّة ومن تسطيح للعمل الثقافي وتهميش لدوره وجعله مجرّد نشاط مناسباتي أو موسمي لا يستفيد منه إلاّ بعض “بزناسة” الثقافة والمحظوظين الذين هم نفس الوجوه التي تملأ الصفوف الأولى في مسرح قرطاج أو الحمامات أو مدينة الثقافة.
أليس من الغريب ان تتجنّد وزارة الثقافة وتصرف ملايين الدنانير في تنظيم تظاهرات تهدم بضحالتها كل مشروع ثقافي جيّد وتقوّضُ ما عملت أجيال كاملة منذ الإستقلال في سبيل بناء شخصية ثقافية وطنية مستنيرة ومتأصّلة ومشعّة تنتج الكتاب القيم والموسيقى المتطورة والمسرح المتقدّم والفكر الناقد والفن الرّاقي.
هل أصبحت ثقافة تونس تتلخّص في شطحات”الحضرة” وربوخ المزاودية؟
أما كان ا على لوزارة ان تعيد النظر في هذه العادات الخاطئة بما يلزم من جرأة وحسم؟ أما كان من الأجدر أن تجمع مثقفي البلاد ورجال فكرها لطرح مشروع يقطع مع السائد السّلبي ويوقف الانزلاق المتواصل نحو الأميّة الثقافية والتجهيل؟
ليس غريبا بعد هذا أن تتذيّل اليوم بلاد ابن خلدون وأبي القاسم الشابي والطاهر ابن عاشور والطاهر الحداد، وغيرهم كثير، ترتيب الدول العربية تاثيرا ثقافيا.
