
مازلنا نترقّب مخرجات مبادرة الاتّحاد وشركائه نهائيّا في هذه المبادرة والتي أعلم الأمين العام للاتّحاد أنّها سترى النور عن قريب وقد علّل هذا التأخّر بعم التسرّع رغم أنّ الملاحظين المتابعين للسياسة يعلمون أنّ للاتّحاد أسباب أخرى تجعله يتريّث وهي تحيّن الوقت المناسب للإعلان عنها.
ونحن نعرف أنّ مخرجات هذه المبادرة سوف لن تخرج عن اقتراحات للنهوض بالاقتصاد والماليّة وكذلك طرح تعديلات بعض قواعد اللعبة السياسيّة كالدستور والمجلّة الانتخابيّة التي ستقترح المبادرة بعض التعديلات فيهما.
لكن الذي أعتبره أهمّ من المخرجات والذي سيكون العامل الأساسي لقبول رئيس الدولة هذه المبادرة أو على الأقلّ التفاعل معها هو وتوضيح الأطراف التي ستشارك في هذه المبادرة ولنقولها بصراحة موضوع تشريك الأحزاب من عدمه وهذا ما زال غامضا أو على الأقلّ ليس فيه وفاق بين المكوّنات الأولى لهذه المبادرة حيث على الأقلّ هنالك خلاف في المواقف بين الرابطة حقوق الانسان وعمادة المحامين وهذا واضح من التصريحات الصادرة عن رئيسي المنظّمتين حيث كان عميد المحامين جازما بعدم تشريك من كان سبب في ما آلت إليه أوضاع تونس أي الأحزاب التي حكمت قبل 25 جويليّة 2021 في حين أنّ رئيس الرابطة يرى تشريكهم لاحقا في المبادرة.
في حين أنّنا إلى الآن لا نعرف موقف الأخير للاتّحاد الذي كان عندما قدّم مبادرة سابقة قد استثنى الأحزاب أمّا اليوم وأما هذا الخلاف بين المساهمين معه في هذه المبادرة فنحن لا نعرف إلى اليوم بوضوح كامل ما هو موقفه و كيف سيوفّق بين الرابطة وعمادة المحامين ؟وهل هو سينساق لتشريك الأحزاب بقطع النظر على موقف الرئيس منها أم سيقدّم مبادرة تُحظى برضاء الجميع بما في ذلك رئيس الدولة حتّى يتحقّق الهدف الرئيسي منها وهو الأمل في الخروج بالبلاد مما هي فيه من مخاطر ماليّة واقتصاديّة وسياسيّة أم يكون الهدف منها هو إرضاء الأحزاب والساحة السياسيّة وفي هذا خطر قد يفاقم أزمة البلاد.
وفي هذا المستوى وحيث أنّ الاتّحاد لم يحدّ عَلَنا موقفه من تشريك الأحزاب في هذه المبادر وحتّى يتّخذ الموقف الذي فيه صالح المبادرة وصالح الوطن و لما لا صالح الاتّحاد ومنخرطيه في المستقبل أن يتعظ بالماضي ويتذكّر –وهو تاريخ قريب جدّا- ما فلعته النهضة وأذنابها لتحطيم الاتّحاد والقضاء عليه إذ اعتبرته الحجرة العترة لاستكمال وضع يدها على البلاد وسوف أذكّر الاتّحاد –فقط – بما كان للاتّحاد مع ائتلاف الكرامة ورئيسه مخلوف وما كان مع البعض من قيادات النهضة أمثال البحيري والهارون في انسجام تام بين هذين الحركتين بتوجيه من الغنوشي الذي ما زال يطمع في الرجوع إلى ما قبل 24 جويليّة وهو يستجدي الخارج (حواره الأخير في الزيتونة) لاسترجاع موقعه في البرلمان وعندها ستعود النهضة لعادتها القديمة وأهمّها مهاجمة الاتّحاد ومحاولة استئصاله .وحتّى لا يكون هذا الكلام مجرّد انشاء فإنّي سأرجع فقط لما بعد انتخابات 2019 لأظهر ما عاناه الاتّحاد من هذين الحركتين وأبدأ بمخلوف الذي بنى حملته الانتخابيّة على مهاجمة الاتّحاد ونادى بمحاسبة الاتّحاد ونادى بفتح بحث قضائيّا في أموال الاقتطاع لفائدة الاتّحاد فهو يتقاضى آخر الشهر مليارات من انخراطات ليستْ واجبة على كلّ موظّف بل يجب أن تكون اختياريّة وهذا ما جعل الاتّحاد يغرق في الفساد المالي الذي يجب مقاضاته عليه ثمّ إنّ ما قاله طوال وجوده في مجلس نوّاب الشعب في الاتّحاد يطول ذكره إذ هو هاجم الاتّحاد بمناسبة وبدون مناسبة بتعليمات واضحة من النهضة التي لم تَتْرُك الكرامة وحدها في مهاجمة الاتّحاد بل لم يترك قياديها أي فرصة لمهاجمة الاتّحاد فالبحيري مثلا طالب بمحاسبة بعض أعضاء الاتّحاد الفاسدين وغير المنضبطين وكذلك الهاروني رئيس مجلس الشورى الذي أعلن أنّ هنالك فساد في الاتّحاد وكان ذلك إشارة لتحريك ماكينة النهضة وذبابها الأزرق لمهاجمة الاتّحاد.
أمّا ما هو أشنع-وقد تعمدتُ فعلا ترك للخاتمة- هو ما واجهة به النهضة الاتّحاد عنما كانت في عنفوان قوّتها حين استحوذت على كلّ شيء في تونس وأرادت أن يحلّ أتباعها محلّ الاتّحاد وترتاح نهائيّا من هذه الحجرة العثرة في طريقها لتعبث أكثر بمقدّرات الوطن فكان ذلك الهجوم على مقرّ الاتّحاد ليلة الاستعداد لاحتفال بذكرى رمز من رموز الحركة الوطنيّة والنقابيّة فرحات حشّاد وهنا يبرز قمّة حقد النهضة وأتباعها على الاتّحاد وما يضمرونه لها وإنّي بالمناسبة أطلب من الاتّحاد أن يستشير العارفين بأدبيات الاخوان ليعرف أنّ هذه النحلة لا تعرف النسيان بل هي تضمر ما تؤمن به ليخرج عندما تسمح الظروف بذلك.
فهل بعد كلّ ما ذكّرتُ به سيقبل الاتّحاد بتشريك الأحزاب-حتّى لاحقا مثلما تقترح الرابطة- بما فيها الكرامة والنهضة و يعطي هاتين الحركتين نفسا جديدا وهما تحتضران سياسيّا ؟
إنّ أي قرار من الاتّحاد في هذا الاتّجاه ينطبق عليه قوله تعالى في الآية 56 من سورة القصص :”إنّك لا تهدي من أحببت لكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين”