
يدرك السياسيون جيدا، وخاصة أصحاب التجربة منهم، أن القرارات الحاسمة والإجراءات الشجاعة والإصلاحات المؤلمة والتحويرات المجدية لا يمكن إتخاذها بطريقة فردية وفي عزلة، بعيدا عن حلقات الإستشارة المضيقة والموسعة على حد سواء، بل أن المسؤول الواعي مطالب بأكثر من ذلك أي ببذل الكثير من الجهد المكثف والفعال لسماع آراء من خارج مربع مستشاريه، وعدم الإكتفاء بسماع ما يريد سماعه فقط !هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أنه ليس صاحب القرار الأخير، بل المسألة تتعلق، أصلا، بكيفية بلورة تلك القرارات قبل إتخاذها والإعلان عنها، لأن مسؤولية تحمل نتائجها ستلقى في نهاية الأمر على عاتقه.
لقد دأب العديد من الزعماء والقادة الذين تركوا بصماتهم العميقة في تاريخ شعوبهم على إضرام لهيب السجال والنقاش والحوار والجدال بين مستشاريهم والمحيطين بهم، وتغذية التنافس بينهم ، للإستفادة مما ينبثق عن ” معارك” تبادل الأفكار والآراء.
هذا في جانب، أما في الجانب الآخر، فلا بد لكل مسؤول يروم النجاح في مهامه، أن يحسن التعامل مع ” إرث السلف”، إذ عادة ما يلجأ الجالسون على سدة السلطة والنفوذ إلى خوض ما يسمى في القاموس السياسي ب:”الحرب السابقة” وذلك بنسف كل ما أنجزه السلف.
وهو خطأ فظيع عادة ما تكون تداعياته كارثية، وهو ذات الخطأ الذي سقط فيه الرؤساء والحكومات منذ 2011 عندما فتحوا حربا شعواء على الماضي بإنجازاته ورموزه وكفاءاته فسقطت البلاد في الفوضى والإنفلات ولم تخرج منهما إلى يوم الناس هذا.
نسوق هذه الملاحظات محذرين، مرة أخرى، من مغبة إعادة إنتاج الأخطاء التي إرتكبها الأسلاف وعلقوا في أوحالها، لأن البلاد، وبعد ما يقرب من إثنتي عشر سنة من الإنتهاك الممنهج، لم تعد قادرة على تحمل المزيد من إضاعة الجهد والوقت والمال والفرص.
لقد طفح الكيل وٱمتلأت الكأس و سدت أغلب المنافذ ، وٱمتد النفق وٱشتدت ظلمته ، وطال الصبر حتى نفد.
