
ما زلت أتذكر قولة الراحل فاكلاف هافال ، أول رئيس منتخب لجمهورية تشيكيا بعد سقوط النظام الشيوعي ، وهو الذي قضى ثلاثة أرباع حياته معارضا منفيا في الخارج : ” دورنا هو صناعة المستحيل ” ! لم يكن يتحدث من فراغ أو يوزع الوعود بطريقة شعبوية بل كان على يقين من أن إستراتيجيته ستثمر ما عاهد به مواطنيه، لأنها مبنية على ثلاثة عناصر أساسية هي : إقرار مصالحة وطنية فورية تقطع الطريق أمام الحقد والكراهية والثأر والإقصاء، وتأمين تواصل أجهزة الدولة، والمحافظة على الطبقة الوسطى في المجتمع ومزيد تدعيمها، وهكذا صنعت تشيكيا المستحيل فتجاوزت الفترة الإنتقالية بنجاح وٱرتقت إلى مصاف الدول المتقدمة.
كنا نتمنى لو إتبعت بلادنا هذا المسار وعملت بٱستراتيجية فاكلاف هافال ونصيحة الزعيم الراحل نلسن مانديلا لكن الله إبتلاها بمن أرادوا لها طريقا محفوفا بالحقد الأسود فضاعت العديد من فرص الإنقاذ.
تعثرت المصالحة وٱضطربت أجهزة الدولة بعد إستهدافها والتشكيك فيها وٱختراقها، وشهدت الطبقة الوسطى تدميرا ممنهجا ليختل التوازن الذي كان قائما في كل المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
وكان أن تراكمت خيبات الأمل، وعم الإحباط عموم الناس، خاصة بعد إنخرام المنظومة الإقتصادية وتدهور الأوضاع الإجتماعية وظهور الجماعات التكفيرية والخلايا الإرهابية، وآنسحاب النخبة من معترك الفعل والإضافة ليحل محلها الشعبويون والدجالون والغوغائيون.
عندما نعترف بهذه الحقيقة يمكننا تدارك الأخطاء السابقة ودخول مرحلة الإصلاح إستنادا إلى تشخيص موضوعي وبالتالي المشاركة في ما يسمى لدى الإصلاحيين في العالم المتقدم ب:” صناعة المستحيل”، أما إذا ما واصلنا التعنت ونكران الحقيقة فسيبقى النفق مظلما ومسدودا.
