لم تمرّ ساعات قليلة على إعلان توفيق شرف الدين “استقالته”من منصبه كوزير للداخلية، حتى صدر بلاغ رئاسة الجمهورية ليؤكّد الخبر، وليعلن، ولكن في صيغة تصحيحية، عن “إنهاء مهام” الوزير السابق وعن خلفه كمال الفقّي.الاستقالة إذن لم تكن استقالة، كما ادّعى ذلك الوزير السابق، وإنما إقالة، بما يمكن ان يوحي اللفظ من خلاف وتنافر ومن غضب ايضا من جانب رئيس الجمهورية.
الممتبعون للحياة السياسية الوطنية والمهتمون بخباياها يعرفون أن هناك برودا استقرّ من أشهر في العلاقة بين الرئيس سعيّد ووزير داخليته السابق توفيق شرف الدين رغم ما كانت عليه هذه العلاقة من قُربيّة ومتانة.
هذا البرود بدأ بفتور ثم تحول إلى قطيعة غير معلنة تجسّمت في الأسابيع الأخيرة في تغييب الوزير السابق من النشاطات التي تعنيه بصفة مباشرة وبصفته الرسميّة، وكان آخرها الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية الى مقرّ وزارة الداخليه ولم يحضرها توفيق شرف الدين.
في غياب المعلومة والايضاح عن أسباب هذا البرود في العلاقة بين الرئيس ووزيره، تعددت التأويلات والتخمينات. فهناك من يُرجع سبب هذا التنافر الى عدم التفاهم بين توفيق شرف الدين وبعض المقربين من قيس سعيّد الذين كانوا قلقين من الطموح الكبير للوزير السابق وتطلّعه الى تولي رئاسة الحكومة، رغم تكذيب المعني بالأمر العلني. وهناك من أرجع أسباب الاقالة الى إدارة الوزير السابق لقضية التآمر على أمن الدولة والتي أعتُبرت سيئة وفيها كثير من الارتجال. كما أن هناك من يفسرّ هذه النهاية في العلاقة بمحاولات تأثير جهوية مورست على الوزير السابق ما أثار غضب الرئيس.
ومهما كانت الأسباب فإن الخلاف بدأ أمس واضحا وكبيرا بين رئيس الجمهورية ووزير داخليته السابق، الى حدّ ان شرف الدين حاول استباق قرار إقالته بإعلان إستقالة موحيا في خطاب بدا معدّا مُسبّقا و مركّزا على إبراز القيّم والمعاني الكبرى مثل الوفاء والأمانة، ليختم بالقول ان رئيس الجمهورية قبل منه رغبته في “خلع” مسؤولية الداخلية. لكن بلاغ رئاسة الجمهورية الذي صدر في ساعة متأخّرة، جاء ليكذّب ما ادّعاه الوزير السابق، وليؤكّد أن الاستقالة المزعومة إنّما هي إقالة، وليعلن عن تسمية كمال الفقي، والي تونس السابق وأحد أقرب المقربين وزيرا للداخليّة.
بعد نادية عكاشة الوزيرة مديرة ديوان رئيس الجمهورية، تفقد الدائرة الضيّقة حول الرئيس وجها آخر من أبرز وجوهها.
