
لم يكن الزعيم الراحل، وأول رئيس لتونس المستقلة الحبيب بورقيبة “ديمقراطيا” بالمفهوم المتداول في الغرب، ولكنه كان يؤمن إيمانا راسخا بالقيم الديمقراطية، ويعتقد جازما أن الديمقراطية ولدت يوم ولد القانون، وهي لن تكون سليمة إلا إذا ما رزقت من أبوين شرعيين هما التحرير والتنوير ، تحرير الإنسان من أدران التخلف، وتنوير الفكر وتخليصه من الظلمات، لذلك حرص على تعميم التعليم ونشر المعارف وتحرير المرأة بٱعتبار ذلك مدخلا أساسيا لبناء مجتمع حر، له القدرة على تقبل القيم الديمقراطية واستيعابها وممارستها بالشكل السليم. ومن هذا المنطلق التأسيسي كان بورقيبة يؤمن إيمانا عميقا بأن الفكر هو حاضنة ثقافة التنوير : في عهده ظهرت الطليعة الأدبية ، والمسرح التجريبي ، وجماعة رواق ” إرتسام ” ، والأغنية الملتزمة ، وكانت المهرجانات تنبض على إيقاع هذه الإنتاجات ، ففي عهده نشر عزالدين المدني روايته ” الإنسان الصفر ” ، ومصطفى الفارسي رائعته ” البيادق ” والحبيب الزناد ديوانه ” المجزوم بلم ” والمنصف المزغني مجموعته ” عياش ” ومحمد مصمولي ” رافض والعشق معي” وجيلبار نقاش سيرته ” كريستال ” ، وصالح القرمادي عنوان تمرده ” اللحمة الحية ” ، وفي عهده أيضا شهدت المسارح ” مراد الثالث ” و ” ثورة صاحب الحمار ” و ” الفرجة ” و” غسالة النوادر” و” الزنج” و” أقفاص وسجون”….وكتب جعفر ماجد قصيدته المزلزلة ” الصباح القريب ” ومطلعها : ”
يسود بحكم العسف غر وجاهل ****وتؤكل أكباد لنا وقلوب !!!
وكانت مجلة ” الفكر” لوزيره المقرب ثم وزيره الأول محمد مزالي منبرا للإبداع الحر الذي لا يخضع للرقابة.
لم يكن بورقيبة ديمقراطيا ولكنه لم يكن ديكتاتوريا أيضا فقد حرص على وضع أرضية خصبة لنمو الفكر الديمقراطي في المجتمع لكن جيوب الردة إستغلت مرضه وضعفه لتثنيه عن عزمه وتعطل مشروعه.
