
ذكر الماء 63 مرّة في القرآن.
وأشهر آياته قوله تعالى: “”وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ” (الأنبياء: 30). وهي خبريّة تعلم.
وأبلغها قوله تعالى: ” قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين” ) الملك: 30).
وهي إنشائيّة تؤثّر .وهل في الكلام المبين ولسان العرب أبلغ منها تنبيها إلى قيمة الماء على الأرض مقابل قيمته في الجنّة المنعوتة غالبا بأنّها “تجري من تحتها الأنهار” في عديد الآيات والسور؟
وكوكبنا المنعوت بالأزرق زرقته من الماء، وحياته منه بخلاف الكوكب الأحمر، أي المرّيخ، أو غيره من الكواكب التي لا ماء فيما عرفنا منها إلاّ أن يكون تبخّر فانعدمت معه الحياة إن وجدت.
والخشية من نفس المصير إذا لم تواجه البشريّة الانحباس الحراري بسياسة ترشيد التصرّف في الماء استهلاكا ورسكلة في الشرب والريّ بما في ذلك تحلية مياه البحر، وفضلا عن المنشآت المعروفة من آبار وسدود ومواجل وقنوات وحنايا.
وشحّ الأمطار في هذه السنوات العجاف وتراجع معدّل نسب امتلاء السدود إلى أقلّ من الثلث وحتّى إلى الربع نواقيس خطر داهم، بل جاثم بوضوح في تقلّص مساحات الزراعات السقويّة ممّا ينعكس مباشرة على الموادّ الغذائيّة من حيث وفرتها وأسعارها.والتونسيّ لا يبالي بتلك النواقيس ما دام يجد الماء إذا فتح الحنفيّة، ولا يقدّر العاقبة إلاّ بعد الكارثة كأن ك كأنن يقطع عنه الماء طوال ساعات لينال منه القليل في بعض الأوقات.
ونظام الفوترة وحده لا يغيّر السلوك مع غياب الوعي بقيمة المرفق العالم وخطورة الوضع، فلبعض الناس ما يكفي وزيادة لتسديد أيّ مبلغ مع التمادي في تبذير الثروة الوطنيّة إذ يهرقون الماء في الحدائق وأحواض السباحة وغسيل السيّارات وتنظيف الأرصفة في محيط سكناهم.
ولا يتصوّرون يوما يصبحون فيه بأيديهم المال وليس لديهم الماء. وفي تاريخنا العربيّ والتونسيّ أفكار وإنجازات للتعايش مع التقلّبات المناخيّة تشهد عليها المنشآت المختلفة من بيئة إلى أخرى باعتبار أنّ ما يصلح في الشمال لا يصلح للجنوب، وما يناسب القيروان لا يناسب جربة.
ولابن الشبّاط حكمة عمليّة في توزيع مياه الواحات بالقسط، كما للجاحظ تدبير في استعمال الماء مرّتين، للوضوء ولسقي الحيوان ، عن طريق أحد بخلائه من العلماء والفقهاء. وهؤلاء يعرفون وصيّة الرسول (ص) بالتقشّف في استعمال الماء حتّى ولو كان للوضوء.
وفي حاضرنا بين الدول حروب على مصادر الماء والطاقة وقد أضحى المتحكّم في النهر كالماسك بالسلاح في القدرة على تهديد أجواره على ماء الشراب والريّ، أي في الفلاحة وفي الحياة . ومن سياستنا الرشيدة، بالاسم لا بالمسمّى، عدم وضوح الرؤية وغياب الاستراتيجيّة والتغافل عن المشكل بدل استشراف المستقبل وإعداد البرامج حتّى لم ينفع الإعلام المنبّه واستغاثة الفلاّحين والقرويين إذ يلاحظون بأسف وقلق تدنّي مستوى المائدة المائيّة بما يعطّل الآبار ويجفّف العيون.
وبالفعل فقد أصبح ماؤنا غورًا وليس ثمّة من يصدّر إلينا الماء إن وجد هو ما يكفيه منه. الله وحده يستغاث فيغيث بصلاة الاستسقاء بعد أن تحوّل الملفّ من وزارة الفلاحة إلى وزارة الشؤون الدينيّة بالتنسيق مع ديوان الرصد الجوّي.
ولا شيء أبلغ من الماء في رمزيّته للحياة ما بين العزّ والذلّ على معنى قول الشاعر الفارس عنترة بن شدّاد العبسي: [الكامل[ لا تسقني ماء الحياة بذلّة * بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظلِماء الحياة بذلّـة كجهنّم * وجهنّـم بالعزّ أطيـب منزلِ
