
منذ أيّام من أواخر فيفري 2023 اتّخذت وزارة الثقافة الجزائريّة قرارا جريئا لإنقاذ وسائل الإعلام وحماية الذوق العام يقضي بإيقاف بثّ الأغاني المبتذلة.
ووضّحت الابتذال بالكلمات المشجّعة للشباب بالخصوص على العنف والجريمة والفساد الأخلاقي والمخدّرات والهجرة غير القانونيّة.
وهي في الغالب مضامين موجة “الراي” التي انطلقت من هذا القطر الشقيق لتنتشر عدواها شرقا وغربا على أنّها تعبير عن الحرّية وتعلّق بالديمقراطيّة.
وما كان أحد في البداية يتصوّر أنّها سبب البلايا التي تنخر المجتمع اليوم وتقوّض قيمه الثقافيّة والرّوحيّة والوطنيّة.
وزيادة على الكلمات والمقاصد فالألحان المروّجة لها لا تدلّ على أيّ اجتهاد ولا تعبّر عن أيّ إبداع بما أنّها متشابهة النّغم متسارعة الإيقاع.
أمّا عن حال المغنّي صوتا ومظهرا وسلوكا، وكذلك جمهوره، فحدّث ولا حرج عن أزمة الذّوق.
لكأنّ المقصود بها تدمير جيل كامل من الأعمار الهشّة السّريعة التأثّر عن طريق الوسائط الرقميّة والإذاعات الخاصّة وبعض المهرجانات الاستشهاريّة وحتّى الرسميّة.
وأبناء جيلي يذكرون ويتذكّرون اعتماد المجاهد الأكبر في بناء الدّولة وتربية النّاشئة وتأطير المجتمع على وسائل الإعلام المتاحة وقتئذ وخاصّة منها الإذاعة، ومن بعدها التّلفزة، ومن ورائهما كتابة الدّولة للشّؤون الثقافيّة والأخبار، وفي إطار سياسة الاتّصال المباشر.
وهكذا وفّقت تلك الوسائل بين الإعلام والتوجيه والدعاية والترفيه. ولم يخطئ الأستاذ عبد العزيز قاسم عندما ألّف عن ذكرياته على رأس الإذاعة والتلفزة كتابا بعنوان “بورقيبة المستمع الأكبر” مع صورته على الغلاف منصتا للمذياع باهتمام وإجلال.
والرّاديو، قبل التّلفزة، هو حامل صوته إلى النّاس بخطبه وتوجيهاته المبسّطة والفاعلة في مختلف الفئات باعتبار العمر والجنس والثّقافة والجهة أي بلغة دارجة مهذّبة يفهمها الجميع وبأسلوب يشدّ الأسماع.
ذاك سرّ من أسرار نجاحه.
ونذكر ونتذكّر أيضا منعه للمزود ومدّعي الفنّ الشّعبي من البثّ الإذاعي والصّعود على ركح قرطاج وجميع المهرجانات مقابل تشجيعه على الإبداع الأصيل وعنايته بالفنون الشعبيّة من الشّعر الملحون إلى “قافلة تسير” إلى الفرقة القوميّة ومهرجانها المنتظم كلّ سنتين زيادة على المهرجانات الجهويّة المتخصّصة في تلك الفنون.
حتّى الأغنية الفكاهيّة وظّفها في نشر التّعليم وتحسين الهندام والتّنظيم العائلي على درب الإرشاد.
وقد بلغ السّيل الزّبى في خضمّ الفوضى منذ الثورة “المجيدة” وتصدّعت أسماعنا بالكلام البذيء من جماعات “المزود” و”الرّاي” ودعاة “السّكرة” و”الزّطلة” و”الحرقة” والكلام السّوقي وجب على وزارة الثّقافة وعلى “الهايكا” إصدار قرار صارم يضع حدّا للضّرر الخطير على العائلة والمدرسة والشّارع والثّقافة والإعلام.
وتلك مسؤوليّة الدّولة في حقّ الشّعب وأمام التّاريخ.
وكفانا ما صبرنا عليه من الأغاني الهابطة والبرامج السّخيفة الّتي وراءها منافع شخصيّة وإهدار للمال العام على حساب الذّوق العام.
وهذا ملفّ آخر من ملفّات لوبيّات الفساد حتّى في الثّقافة آن أوان فتحه للمحاسبة في إطار معركة التّنظيف والإصلاح الشّجاعة والحاسمة. وعندما يتعلّق الأمر بالوطن تنزل الحقوق إلى الدّرجة الثّانية.
