
بقلم أحمد الحمروني
لطه حسين رأي مقنع يعتبر القرآن أصدق مصوّر لحياة العرب في الجاهليّة من الشعر المنسوب إليها.
ولكنّه باعتباره كتاب هداية إلى التوحيد والتصديق بالبعث عن طريق الإيمان بالنبوّة والوحي غير معنيّ بالتفاصيل في علاقة الأحداث بالأشخاص والأمكنة والأزمنة قدر عنايته واعتنائه بالعبر والإرشاد.
ومشاكل جمع القرآن وترتيب سوره لغرض تعليمي ولا لغرض تأريخيّ مجال نقاش معروف قديما وحديثا.
فماذا بقي من المصادر الموثوقة لمعرفة الجاهليّة بعد هذا؟ بقي مصدر واحد هو الآثار بالعلم المتخصّص فيها.
وقد نقّبت البعثات العلميّة في أرجاء شبه الجزيرة العربيّة حيث عثرت على أطلال بالية، بعضها أو أكثرها مذكور في مقدّمات القصائد المشهورة من ذلك الشعر سواء صحّت نسبته أو انتُحل مُقاسا على الصحيح، كسقط اللّوى والدخول وحومل وتوضح والمقراة في معلّقة امرئ القيس وبرقة ثهمد في معلّقة طرفة. وفي هذا المجال نشريّات متخصّصة بأكثر من لغة، منها مجلّة “أطلال” بالعربيّة.
وهذا كلّه مفيد وغير كاف وإن أمكن بفضله التعرّف على مدائن صالح من دون القرى الأخرى المذكورة في القرآن بأقوامها ورسلها ونهاياتها بالزلزلة أو بريح صرصر عاتية أو بالطوفان كعاد وثمود وإرم وقوم نوح.
وخارج ظلّ الإيمان والقبول بالمعجزات يظلّ العاقل والعالم محتارا إزاء عمر قارب الألف سنة وسفينة حملت من كلّ زوجين اثنين في كنف السلم الحيوانيّة.
وخلاصة هذا أنّنا مازلنا لم نعرف على وجه الحقيقة جاهليّتنا ولم نتّفق على صورتها الصحيحة إن كانت جهلاء على رأي المتعصّبين للإسلام أو كانت حضارة على رأي المستندين على الآثار وما ثبت من الأشعار وحتّى إشارات القرآن.
والفرق طبيعيّ بين الطرح الديني والطرح التاريخي، وإنّما قصد القرآن الطرح الأوّل، لا الثاني. ونبيّ العرب نفسه (ص) ما انفكّ يذكّر بأنّ الإسلام ليس دينا جديدا، بل هو إحياء لدين الله كما تمثّله إبراهيم (عس)، وما كان سعيه إلى أكثر من إعادة التوحيد إلى نصابه في محلّ الوثنيّة الدخيلة.
والحقّ أنّها لم تكن وثنيّة كافرة، وإنّما كانت مشركة، فالعرب يعرفون الله ويقسمون به ويسمّون باسمه كعبد الله وغيره، وفي نفس الوقت يتقرّبون إليه بالأصنام والحجر والشجر كفعلنا اليوم في زوايا الأولياء الصالحين بإذن الله، مع العيون المقدّسة والأشجار المعمّرة وغير ذلك بهاجس الوساطة والزّلفى.
وعلم الآثار في العربيّة السعوديّة، إذا استثنينا منها مدائن صالح وبعض المواقع لا يزال بطيئا، على حداثة نشأته، وعاجزا عن التوغّل في العمران وعن الإحاطة بمكّة والمدينة حيث طمست الوهّابيّة كلّ شيء بما في ذلك مقبرة البقيع.
وحتّى قبر الرسول متكتّم عن موقعه مهما تحيّل المصوّرون، والله أعلم بما حدث له كغيره. ولا صحّة لما يدّعى أنّه من أشيائه (ص) ممّا يعرض في تركيا ومصر. فنحن، إذا، لا نعرف عن نبيّنا غير ما جاء عنه في القرآن باعتبار الشكوك في صحيح البخاري وشخصه إذ يستحيل، مهما بلغت المبالغة العربيّة، أن يكون شخص في السادسة عشرة قد حفظ القرآن كلّه وجال في الأقطار وحفظ متنا وسندا سبعمائة ألف حديث وأكثر واختار منها حوالي سبعة آلاف.
ومثله أبو هريرة في ملازمته غير المقبولة للرسول مع أزواجه ليلا ونهارا حتّى لا يفوّت شيئا من أقواله وأفعاله وتقريراته، ويظلّ كلّ ذلك متداولا بالرواية إلى القرنين الثاني والثالث، بعد وفاة صاحب الأمر، من دون زيادة أو نقصان أو تحريف ليشرع في تدوينه في الصّحاح والمسانيد، والحال أنّ فيه ما لا يقبله مؤمن عاقل من الخرافات والإسرائيليّات كالحديث المنسوب إليه (ص) من أنّ النبيّ داوود وهو على بساط الريح يسأل الله أن يكون لولده سليمان أكثر ممّا له من مال الدنيا حتّى أكرمه بلغات الحيوان والتحكّم في الجان حتّى بعد وفاته، وهم الذين جاءه أحدهم ببلقيس على عرشها قبل أن يرتدّ إليه طرفه.
وخلاصة هذا أنّ العرب القادرين على انتحاب الشعر قادرون أيضا على انتحال السنّة حتّى وإن أوصى الرسول بأن لا يكتبوا عنه شيئا خشية أن يلتبس كلامه بكلام الله وبأن لا يكذبوا عليه فيقوّلوه ما لم يقل لمنافع شخصيّة وأغراض قبليّة وهو المحتار في مصير القرآن والمجتهد في حفظه حتّى طمأنه الله بألاّ يعجل به لسانه وبأنّه جلّ جلاله سيتولّى جمعه وقرآنه بمعنى التأليف أو بمعنى التلاوة.ومعنى الخلاصتين معاً أنّنا في حيرة من تاريخنا سواء في الجاهليّة أو في صدر الإسلام المصطلح عليه بالإسلام المبكّر حسب عبارة المرحوم هشام جعيّط.
وهو أكثرنا اطّلاعا على أعمال المستشرقين الألمان الذين لهم ولغيرهم ولتلامذتهم غربا وشرقا الكثير ممّا يقال عن محمّد والقرآن على اختلاف المناهج والمقاصد والعقول والقلوب.
لذلك ينبغي على المؤرّخ اليوم، في اقترابه من الحقيقة التي لا تدرك، أن يخلّص تاريخ العرب والمسلمين من التهويد قديما ومن التأريب (نسبة إلى أوروبا) حديثا فيعمل اليوم على تنبيه الغافلين إلى الدسائس والمغالط ليأخذوا الصحيح المغربل بأعلى نسبة ممكنة من الحقيقة والواقع، دون قبول الكلّ أو إلغاء الكلّ.
وليس مؤرّخ العصور الإسلاميّة الوسطى بأقلّ حيرة من سابقه، فالمصادر العربيّة على وفرتها، ودون اعتبار المخطوطات المعطّلة والمفقودة، لم تسلم هي أيضا من التناقضات والمبالغات والأهداف المقصودة صراحة أو ضمنيّا، بل هي أصداء للصراعات المذهبيّة والسياسيّة ومرايا لرغائب الملوك والأمراء الذين كثيرا ما يصدر التكليف بالتأليف عنهم، يتبعه الجزاء منهم على معنى التمجيد والتبرير والدعاية والتخليد.
ومثله مؤرّخ العهد الحديث والمعاصر والزمن الراهن المتابع للمستجدّات إذ تمنع عنه الوثائق حتّى تمرّ عليها خمسون أو مائة سنة وتختلط عليه الشهادات وكلّها مصابة بتضخّم الذات.
وتاريخ الحركة الوطنيّة التونسيّة قد رسمه ووسمه بورقيبة كما شاء بخطبه وبالمعهد العالي المخصوص به الذي ما أمر بتأسيسه في حياته إلاّ لتسجيل كفاحه لتحرير الوطن وبناء الدولة بنرجسيّة تكاد تناهز النبوّة بصفة الأكبر في كلّ شيء. وقد فهم محمد الصيّاح تلك النفسيّة فكتب تاريخ البلاد في حياة الرئيس بما يُرضي ويعجب فوجب على المؤرّخ النزيه بذل جهد زائد في المراجعة والتحقيق في ضوء الوثائق المتاحة والشهادات المتكاثرة.
وقد قيل إنّ التاريخ يكتبه المنتصر سواء أكان قائدا رومانيّا أو فاتحا عربيّا أو مستعمرا فرنسيّا أو زعيما وطنيّا، ويعيد كتابته المؤرّخ بوسائل ومؤهّلات وشروط مادّية وعلميّة وأخلاقيّة.
وهذا برنامج يوافقنا عليه عبد الجليل التميمي مدير الأرشيف سابقا ومؤسّسته البحثيّة حاضرا إذا قلنا إنّه بداية بلا نهاية.وخلاصة الخلاصات أنّ التاريخ مهمّة مستحيلة، وأنّ المؤرّخ عاجز يوما فيوما وأكثر فأكثر عن مسابقة الأحداث المتسارعة، وأنّ الذاكرة غدت عاجزة عن الاستيعاب والحفظ.
