
يوسف الرّمادي
بمناسبة غرّة ماي 2023بين محمّد المزالي والحبيب عاشوركنت قد استمعت للسيّد “نوردين الطبوبي” في تصريح له بمناسبة ذكرى وفاة الحبيب عاشور والتي جاء فيها بالخصوص:”…بطبيعة الحال في جراته وفي شجاعته قلب الأسد الحبيب عاشور لا يخشى في الحقّ لومة لائم…واليوم نستلهم منه العبر… وهذا ذكّرني ما قاله محمّد مزالي في الحبيب عاشور:” طوال الستّ سنوات التي كنتُ فيها وزيرا أوّلا لم أفرّط في الجزء من السلطة الذي كان عندي وحرصت على أن يكون في خدمة الوحدة الوطنيّة التي هي ضدّ حرب الطبقات والمزايدات الفئويّة .
لذلك تَصرّفْتُ كما أملته عليّ قناعاتي وجوهرها أنّ السلم الاجتماعيّة لا يتحقّق إلّا بوضع حدّ لاستغلال العمّال وصغار الفلّاحين والموظّفين والحرفيّن وأن تكون نقّابات العمّال والفلّاحين والحرفيّن ممثِلة لمنظوريها و تتمتّع بالمصداقيّة .
ويواصل :وقد لمستُ الوزن الحقيقي لتطلّعاتي أمام الحسابات السياسيّة لبعض المسؤولين في كلّ المستويات الاجتماعيّة إذ قوّة التعطيل المستمر كانت أشدّ ممّا كنت أتوقع ومع هذا فقد صمدتُ ولم أتراجع.
طوال السنوات “1980-1981” ألقيت 4 خطب توجهتُ فيها للعمّال , والمديرين العامين للمؤسّسات العموميّة, والخاصة ولعمّالنا بالخارج, وللصناعيّن, والتجّار, و الحرفييّن. وقد حاولت ادخال مقاربة جديدة في العمل الساسي والعلاقات المهنيّة وخلق إطار تضامني اجتماعي ومرتبط بالواقع والذي لا يمكن بناؤه إلّا على الأخوّة والحريّة واحترام الغير وأكدتُ على الشرعيّة الضروريّة للنقابات حتى تتمكّن من الدفاع عن حقوق العمّال بدون أن تخضع لأي كان .وأكدت على أولويّة الحوار الذي هو الوسيلة الوحيدة لتفادي التشنّجات والصدامات .
كما طلبت من الرؤساء المديرين العامين أن يبتعدوا عن التسييّر البيروقراطي ويَقْتربوا من العمّال ويربطوا معهم علاقات انسانيّة إن العامل لا يمكن أن يكون رقما من ضمن أرقام معاملات المؤسّسة بل هو انسان له كرامته وانسانيته حتّى يشعر أنّه يعمل في مؤسّسة يسودها القانون وخاصة العدل. كما طلبتُ من أصحاب المؤسّسات في مؤتمرهم أن لا يُفتِّشوا عن الربح السريع بكل الوسائل بما في ذلك استغلال العمّال لأنّ ذلك ينمّي الكراهيّة الذي هو من الأسباب الرئيسيّة للعنف الاجتماعي ..
وقد برهنتْ الأيام أنّ ذلك لم يكن مجرّد كلام بل صار عملا ملموسا في الواقع كما اهتممتُ بالوظيفة العموميّة إذ أعلنتُ في 18 مارس 1981 عن زيادة عامة في الأجور لم تسبق في تونس وقد اعتبرها أصحاب النوايا السيّئة من باب الشعبويّة.
ودائما في نطاق الحوار والتشاور مع ممثلي التعليم العالي وصلنا لاتّفاقات جعلت لتونس مكانة في هذا الميدان وأكدتُ على أنّ الحكومة والاتّحاد مسؤولان على إنجاح التنميّة ومشروع الديمقراطيّة.
وبعد الاتّفاق الذي توصلنا اليه يوم 30 أفريل حول الأسعار والأجور في حوار أشرف عليه السيّد إسماعيل خليل ورغم الظروف الصعبة وحتّى نستطيع أن نحسّن القدرة الشرائية للأجراء أدخلت ُ مفهوم الإنتاج والانتاجيّة وبعد خطاب قفصة وجّهت ُمنشورا أكدت فيه على تطوير الإنتاج في المؤسّسات …..
لكن و يا للأسف فالحبيب فعاشور الذي لم أدّخر أي جهد لإرجاعه وتمكينه من مركزه كأمين عام للاتّحاد وبعد فترة لم ينقطع فيها من التصريح علنا أنّي مسؤول ديمقراطي في الاجتماعات العامة وعلى أعمدة الجرائد وأنّي صديق العمّال ورجل حوار رجع إلى أصله وبدأ في تكثيف المطالب والقيام بالمزايدات على الحكومة اعتمادا على بيانات بعض النقابات وكان قد اتّبع نفس الخطّة التكتيكيّة مع الهادي نويرة وتبلور ذلك خاصة في الدخول في اضراب عام يوم 26 جانفي 1978 بكلّ ما تبع ذلك من مآسي سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة.
وفي ندوة صحفيّة في أكتوبر 1985 قال إنّ الحكم في تونس هو أتعس ممّا هو عليه في إسرائيل وجنوب افريقيا. وقد قال حرفيّا “سوف آكل رأس مزالي مثلما أكلت رأس نويرة ” ولم تهدء الإضرابات العشوائيّة وكان أكثرها في القطاعات الحسّاسة كما تضاعفت المقالات العنيفة في جريدة الشعب.
وفي أخر سبتمبر 1985 طلب مقابلتي فاستقبلته وشرحتُ له المقصود من منشور27 جوان 1985 وعندما شعرتُ أنّه غير موافق ذكرته بما قام به القدّافي الذي أطرد في أوت وسبتمبر أكثر من 32 ألف عامل تونسي وذكّرته أنّه من الصدف الغريبة أن يوم أن بدأ الطرد (5أوت 1985) قرّر-هو- في تونس اضرابا عاما في قطاع النقل؟
ثمّ تبعه بعد أيام اضراب في قطاع السياحة لكن لم يحض بأيّ نجاح.
وقد اقترحتُ عليه تهدئة ب3 أو6 شهر لتستطيع الدولة الاهتمام بالأمن العام المهدّد بعد مؤامرة جرجيس وجربة حيث وجدنا أسلحة ومفرقعات وقيام النظام الليبي بأعمال اجراميّة فكان جوابه:”يجب أن لا تتوقف البلاد لأنّ لنا خصومة مع أحد جيراننا وواصل أنّ من بين مهام الاتّحاد هو “المطالبة” وطالب بزيادة 8دنانير في الأجور وقال لي “وانْفُّكْ عَلِيكْ سنة كاملة ” فأجبته لماذا 8 دنانير فقط لبعض المؤسّسات القادرة على الترفيع في انتاجها والاقتصاد في مصاريفها؟
وكان جوابه بهذه الجملة المصحوبة بابتسامة غير واضحة قائلا :” يا خسارة يا سي محمّد ما تعرفشي تِحْسِبْها ولا تفكّر في مستقبلك” وأضاف “:هذه الدنانير الثمانية تضمن لك أن تجدني إلى جانبك في اليوم الصعب ؟
عندها أجبته بالحزم اللازم “:أري أنّك أنت كذلك لا تعرفني فلِتعلم يا سي الحبيب أنّي سوف أبقى مناضلا في خدمة وطني نعم لم أحسبها أبدا ولا أعرف الحساب لأنّ مصلح وطني هي التي تهمّني قبل كلّ شيء …
يتبع
