
بقلم عبد الجليل المسعودي
معرض الكتاب الذي أنهى دورته السابعة والثلاثين(37) أمس الأحد، تظاهرةٌ ثقافية، لكنها ليست ككل التظاهرات الثقافية الأخرى.
لأن الكتاب ليس ككل المنتوجات الثقافية الأخرى.
إنه الأصل وهو المؤسس للمجتمعات الإنسانية وحضاراتها، وهو كذلك ركيزة تطوّرها الثقافي والمعرفي.
ألسنا نسمّي في تونس مكتبتنا العمومية الكبرى ب”دار الكتب الوطنية”، ما يعني أننا نرى في هذه المؤسسة إحدى البيوت التي تأوي التونسيين كلّهم جميعا عبر الأزمان والعصور، وتحفظ ذاكرتهم، وتثبّت هويتهم.
من هذا المنطلق فإن وضع الكتاب في أي مجتمع كان، إنما هو انعكاس للصورة الحقيقية لواقع ذلك المجتمع وتوجهاته وطموحاته.
حتى أنه يمكنك تشخيص الحالة الراهنة لايّ بلد وانت تتطلع على حالة الكتاب فيه.
ولسنا في حاجة لنقاش طويل لاستخلاص أن الدورة 37 لم تكن بما يجب ان تكون عليه من نجاح في بلد لم ينفكّ مسؤولوه المتعاقبون على دفّة الحكم يدّعون ان الدولة تستثمر ميزانية هائلة في تعليم الناشئة ورعاية المثقفين والعناية بالشباب.
لو كان ذلك كذلك لكنّا تحققنا منه من خلال معرض الكتاب الذي لم يكن أكثر من معرض متواضع تصوّرا، وتنظيما، ومستوى للكتب المعروضة، واستقطابا للزوّار الذين لم يتجاوزوا المائة ألف في بلاد يبلغ تعداد سكانها اثني عشرة مليون نسمة…
معرض تونس للكتاب توقّف عن التطوّر منذ عقود، وتجاهل التطورات التكنولوجية واستعمالاتها اليوم في كل المعارض في العالم تعريفا بالكتُب والكتّاب، وترغيبا في المطالعة، وإطّلاعا على انتاجات الآخرين. لقد بقي معرضا حرفيا artisanal بما يعني ذلك من تخلّف وتكرار للنفس ومن إرتجال أيضا.كل معارض الكتب في العالم تختار موضوعا مرتبطا بمسألة تُطرح بقوّة في العالم ولها انعكاساتها المستقبلية.
واعتمادا على ذلك الموضوع يتمّ تشكيل الدورة الجديدة وضبط أنشطتها وتحديد اختيار دور النشر التي يقع دعوتها وإبراز منشوراتها.
وكم من موضوع كان يمكن ان يكون محور الدورة التي انقضت ولم تترك أثرا يذكر.
فقضيّة المناخ مثلا، أو التحوّلات الجيوستراتيجية التي تهزّ اليوم العالم، أو انبثاق مسألة الذكاء الاصطناعي، كلها مواضيع كان من شأنها ان يعطي كل واحد منها لو تمّ اختياره، بعدا وقيمة لمعرض تونس، وخصوصا تميّزا بين المعارض في المنطقة، فضلا عن كونه يساهم في التغلّب على افتقارنا الكبير للثقافة العلمية.
كل معارض الكتب، زيادة على توجّهها العالمي، لها تأصّلٌ وتموضعٌ في منطقتها الجغراثقافية.
وكان بإمكان معرض تونس، ومنذ نشأته، أن يجعل من تموقعه المغاربي ميزته الكبرى وسيمته التي تجعل منه مقصد الجميع كتّابا وناشرين وقرّاءً، وتؤهّله الى لعب دور الرائد في مجال النهوض بالثقافة المغاربية والتقريب بين المثقفين.
كل المعارض تحرص على أن تكون عينا كبيرة تنفتح في كل دورة على التطورات والتحولات التي تحصل في العالم والتي تعكسها كتب النشر المتطورة وليست تلك التي تخصصت في الكتب الفقهيّة والتي تحتلّ المساحات الأكبر في المعرض.
ولقد كان يفترض في بلاد كبلادنا تمتلك مؤسسات ثقافية وأكاديمية عريقة ان نرى انتاجات حركة النقل والترجمة من وإلى اللغة العربية في مختلف المجالات الفكرية، فليس هناك أفضل فرصة من معرض الكتاب لابراز طموح أمّة في الاستفادة من علم الآخر وأدب الآخر ومعرفة الآخر.
كل المعارض في العالم اليوم تستفيد من أحدث التطوّرات التكنولوجية في مجال الإعلام الاتصال للتسويق للكتاب والتعريف به لدى القراء خاصة الشبان منهم وتبذل في سبيل ذلك كنوزا من الذكاء والابتكار وسعة الحيلة للترغيب في المطالعة باعتباره، وخصوصا اليوم، البديل الوحيد للتسطيح الفكري والتخلف العقلي الزاحف من على وسائل التواصل الإجتماعية وتلفزات البوز والتجهيل التي تسلطت على حياة التونسيين.
كل المعارض تستغل موعد انتظامها لإظهار عناية الدولة بالكِتاب باعتباره أصل كل تقدّم، وبالكتّاب باعتبارههم رمز ذلك التقدّم.
اليوم الكتاب الجيّد يوجد فوق طاقة المواطن الشرائية، والكاتب مهمّش لا يقدر ان يعيش من كُتبه. والحقيقة أن معرض الكتاب لم يكن الّا صورة تعكس واقعنا الثقافي والتربوي المتردي، العمل الثقافي فيه منحصر في تظاهرات مهرجانية متكررة وعابرة، والتربية تعاني منذ سنين أزمتها المزمنة ولا أحد يعلم متى ينبلج صباحها.
من أجل كلّ ذلك لم يكن معرض الكتاب، مرّة أخرى، الاّ تظاهرة متكررة، معتادة، مُعادة، بلا آفاق كبيرة ولا طموح ولا خيال، تصحّ فيها العبارة التونسية المغلوبة:”عندكش عندي”.
