
بقلم الحبيب المستوري
لا يمكن أن تلهينا العلاقات الدبلوماسية مع العالم الخارجي نظراً لأهمية الوقت في حياة البلدان، يجب علينا ألا نضيّع فرصة تنظيم بيتنا من الداخل ولو بشكل متوازي زمنيا لكي لا نسقط في تجارب الماضي القريب بخصوص التصرف غير السليم في القروض التي نحصل عليها بأشق الأنفس وتكلفنا سنوات عديدة من ارجاع الدين وأصله. ونجد أنفسنا في كثير من الأحيان بصورة اضطرارية نفتش على قروض لخلاص الديون السابقة، لا يحدث باستمرار لأن رغم كل شيء بلادنا حريصة على ان تبقى صورتها عند المانحين شفافة، ولا تفضل جدولة الديون الكارثية العواقب، لكن السنوات الاخيرة اختلط الحابل بالنابل وأصبحنا نحتل الدرجات السفلى في احدث التصنيفات الاقتصادية المهينة.
فالقضاء على الفساد بأنواعه من اولوية الاولويات، فلا يمكن ان نتسامح مع من استولى على المال العام بأي شكل من الأشكال ولا يمكن ان نهتم بالاسماك الكبيرة ونطلق يد المتحيلين الصغار. كما يجب أيضا مراجعة قانون الشيكات وقانون النفقة أيضا، لا يمكن ان نضع شخص في السجن من اجل عدم الخلاص لانه اذا دخل السجن فانه لن يخرج منه ابدا ولن يجد عملا اخر بعد خروجه منه فيرجع اليه في اول حملة تفتيش. أفلا أجدر بنا ان نحجز الرواتب او يتم الحاق المديونين ببعض الحضائر للعمل من أجل ارجاع الدين او توفير النفقة لاولاده او يقوم بعمل اجتماعي باحدى الجمعيات. ولذا ومهما يكن من أمر يجب العمل على دفع الاشخاص لارجاع هذه الاموال سواء كانت اختلاسات او استيلاء او ديون من بنوك عمومية لم يقع استردادها او ضرائب غير مدفوعة او عقارات مستولى عليها واراضي دولية.. الخ. والضرب بيد من حديد وعدم التسامح مع المتحيلين ومحترفي التدليس والراشين والمرتشين ومقاومة تبييض الأموال. لأننا في النهاية سنجد من يدفعنا لاتخاذ هذه الاجراءات والا عزلنا دوليا لا سمح الله.
في العام الماضي احتفلت ايطاليا بمرور 30 عاما على الحملة التي قام بها اربعة قضاة ضد الفساد المستشري حينذاك بين الاوساط السياسية واوساط المال الاعمال بصورة خاصة. واتخت هذه الحملة تسمية اطلقتها عليها الصحافة “الأيدي النظيفة” قامت بتنظيف البلاد من الفاسدين في كل مكان، من بين قادة الاحزاب والسياسيين والادارة والشركات الخاصة في عامين فقط بين 1992\1994. الان ايطاليا تنعم بالرخاء وتنتمي الى مجموعة البلدان السبع الصناعية الأكبر في العالم.
أنا لا أريد ان أقارن ما نحن عليه الان بما مضى وتحقق في بلادنا من نمو نحسد عليه ولكن عندي إيمان راسخ أن “الدوام ينقب الرخام” لا تراخي ولا تسامح مع الفاسدين والمفسدين ولا أحد فوق القانون وسوف يستقيم الوضع وتنتهي الازمة الاقتصادية بدون رجعة انشاءالله.
ولا بد أن نثمن مجهودات الدبلوماسية التونسية في المدة الأخيرة التي تسلم فيها السيد نبيل عمار وزارة الخارجية والتونسيين بالخارج والنسق السريع الذي خلقه تدخل الرئيس قيس سعيد ولفت الانظار اليه سواء عند رده على صندوق النقد الدولي او في قمة باريس واليوم نرى قنصليات وسفارات بلا رؤساء بعثات يقومون بعمل جبار خاصة في ايطاليا المعنية مباشرة بمسألة الهجرة غير النظامية. تحية لاعضاء البعثة الدبلوماسية في بالارمو عاصمة صقلية وكافة العاملين بهذه القنصلية لما يقومون به من عمل جبار على مستويين على الاقل التواصل مع الادارة الايطالية وأماكن الحجز المؤقت ووضعية الحارقين الكارثية. كذلك قنصلية روما التي منذ مدة طويلة على يرأسها نائب قنصل السيد محسن بن خذر والذي يقوم بعمله على أحسن وجه رغم نقص الموارد البشرية وكذلك بقية القنصليات بايطاليا في نابولي وميلانو وجنوة. ولا يمكن أن ننسى سفارتنا بروما التي هي ايضا بلا سفير حاليا، يقودها منذ سنة تقريبا القائم بالأعمال السيد مروان الكبلوطي في ظرف دقيق للغاية ومن حسن حظنا فالعلاقات الثنائية تتطور ايجابيا بشكل متسارع مما يستوجب التحلي باليقظة والانضباط وايطاليا هي حاليا الشريك الاقتصادي الاول لتونس قبل فرنسا والمانيا ولا تريد التفريط في هذا المركز الهام بعد ان أزاحت فرنسا التي كانت تحتل مرتبة الشريك الاول منذ الاستقلال بدون انقطاع.
