بقلم أحمد الحمروني
حيث وجدت صحافة انتعشت الثقافة، وتفاعلت هذه مع تلك تفاعل الحامل والمحمول.
فالثقافة مادّة أساسيّة للصحافة إلى جانب مواد أخرى كالسياسة والرياضة، والصحافة ناشرة تلك المادّة مع مختلف المواد الأخرى، لإفادة الجمهور الكبير من القرّاء الذين يتابعون الصحف والمجلاّت أکثر ممّا يقرؤون الكتب والموسوعات.
وأكبر الكتّاب في مصر كمثال من المجال العربي أفادوا الدوريّات بمقالاتهم الجيّدة وبأسمائهم المشهورة.
وغيرهم من الموهوبين المبتدئين أصبحوا مشهورين وفي عداد الكبار بما نشروا فيها من المحاولات، ثمّ من الإبداعات.
وأشهر الكتب كانت مقالات منشورة هنا وهناك ، ثمّ جمّعت وبُوّبت.
وكتاب “حديث الأربعاء” لطه حسين، کمثال ضمن ذلك المثال العام وأعني مصر، كان مسلسلا أسبوعيّا في جريدة “الأهرام”.
وكتاب “وحي القلم” في ثلاثة أجزاء لمصطفى صادق الرافعي، كمثال ثان، كان مقالات في مجلّة “الرسالة” بين 1934 و 1937م. وفيها، كمثال ثالث، نشر مؤسّسها أحمد حسن الزيّات مقالاته التي جمعها تحت عنوان “وحي الرسالة”.
وما أعظم وحي الصحف والمجلاّت التي احترمت نفسها وقدّرت قرّاءها !
وفي تونس، كمثال آخر بعد مصر، ازدهرت الصحافة الأدبيّة في القرن الماضي بين الثلاثينات والأربعينات خاصّة، ومن قبل ومن بعد، على النحو الذي وثّقه محمد الصالح المهيدي في كتابه “من أعلام الصحافة العربيّة في تونس” ودرسه جعفر ماجد في أطروحته.
ولكن للأسف، بقي رصيد كبير من إنتاج الكتّاب مشتّتا مقارنة بالقليل المجموع في سلسلة ” ذاكرة وإبداع” أو في أطر أخرى أمام عراقيل كحقوق التأليف المنفّرة للباحث والناشر.
وقد واجهتُ منها نتيجة جشع الورثاء المتخالفين ما جعلني أندم على الجهد المبذول دون مقابل من التقدير إلى حدّ يثنيني عن المزيد كلّما تحمّست لعمل بديل.
فاكتفيت بنصح معارفي بجمع أشتاتهم بأيديهم وأقلامهم قبل عجزهم وفوتهم محتسبا ألاّ أحد اليوم أو غدا سيتشجّع لجمع تراث غيره، وحسبه أن يجد الوقت والجهد لجمع تراثه.
وأكبر خوفي من عزوف طلاّب الشهائد عن تحقيق المخطوطات ودراسة الوثائق بعد أن تفشّت فيهم النزعة إلى المجهود الأدنى ولو باستغلال جهود الآخرين.
وتشهد قائمة مؤلّفاتي على الجهد الذي بذلت لجمع أشتات غيري، وكذلك أشتاتي.
فمنها المنشور، ومنها الجاهز في انتظار النشر الذي ما انفكّ يصعب ويتقهقر أكثر فأكثر في شعب لا يقرأ إلاّ من رحم ربّي.
ولقد حرصت فيما قدّمت للصحف والمجلاّت على إضافة الجديد المفيد محاذرا تكرار نفسي لتصميمي المسبّق على جمع ما نشرت مبوّبا في كتب.
وما ذلك بأمر سهل فضلا عن برودة أيّ ناشر إزاء مشروع من نوع جمع المنشور وكأنّه البائت المسخّن مقابل تحمّسه للجديد المعروض عليه للنشر لأوّل مرّة.
ولو عاش بيننا طه حسين والرافعي والزيّات وأمثالهم لما قبل منهم ناشر اليوم تأليفا سبق أن قطّعته إحدى الجرائد والمجلاّت إلى (أو على) حلقات.
وأشدّ أسفي، بعد الكتّاب والناشرين، على جيل لا يقرأ الصحيفة ولا الكتاب، وشغله الشاغل ليس الصحافة وليس الثقافة، بل هو التسلّي بالأنترنات.
وهي البحر المحيط بالألعاب الإلكترونيّة والفيديوهات المغريات.
وتلك تكنولوجيا متقدّمة ما سمح مخترعوها بنقلها إلى الشعوب المتخلّفة إلاّ بعد أن تأكّدوا من أنّها ستزداد بها تخلّفا على تخلّف الجهل والكسل.
وهم لا يريدوننا منافسين بل يريدوننا مستهلكين تابعين.
ذلك لأنّ الاستعمار الناعم يحتلّ العقول فيصيب الذاكرة ويمحي الهويّة كما يفعل الأفيون بالمدخّن، ويلعب المخدّر بالمدمن.
فعن أيّ تراث وحضارة وتنمية ومستقبل بعدئذ نتحدّث ؟
