
بقلم عبد الجليل المسعودي
رفْض مجموعة بريكس عضويّةَ الجزائر شكّل مفاجأةً لم يهدأ دوّها، رغم مرور حوالي أسبوع عن مؤتمر هذه المنظمة الذي انعقد بمدينة جوهانسبورغ بجنوب إفريقيا، حيث أقرّ هذا الرفض في حين أعلن قبول عضوية مصر وأثيوبيا والسعودية والإمارات العربية وإيران، وهي كلّها دول لا تتميّز عن الجزائر، و أبدى تكتما غريبا ممتنعا الى حدّ اليوم عن إصدار أي بلاغ أو تقرير تفسيري لهذا الرفض أو ذلك القبول.
امام هذا التكتم الغريب لا نجد بُدّا من أن نقدم بعض الاحتمالات في شكل تساؤلات لمحاولة فهم رفض عضوية دولة في حجم الجزائر، ذات أكبر مساحة في افريقيا (مليونا كلم مربع)، والسادسة عشرة ضمن ترتيب الدول المصّدرة للنفط، والتي يتفوق دخلها الخام على دخل إثيوبيا، و يتجاوز دخل الفرد فيها دخل الفرد في الهند، البلد المؤسس للبريكس، ويقلّ فيها حجم التداين الخارجي عن حجم تداين مصر، ويتجاوز تعداد سكانها (40 مليون نسمة) ما يعادل أربع مرات تعداد سكان الإمارات العربية(10 ملايين نسمة).

اتحاد المغرب العربي… كان حلما فانتهى
رفض غير مبرر وتبرير غائب
فلماذا رُفضت الجزائر وقُبلت إثيوبيا وكلاهما بلد إفريقي له وزنه في القارة السمراء ؟ هل لأن سرعة نمو الجزائر بطيئة لم تتضاعف إلا ثلاث مرات(03) خلال العشرين سنة الماضية في حين تضاعف معدل النمو في أثيوبيا ستة عشرة مرة (16)خلال نفس الفترة؟ أم لأن اقتصاديات الجزائر غير متنوعة وتعتمد أساسا على الصادرات البترولولية بنسبة 54% في حين ان اقتصاديات اثيوبيا تُبرز تنوعا أكبر؟ قد يكون ذلك، وقد يكون أكثر.
فالعنصر السياسي، كما ذهب إلى ذلك بعض المحللين، قد يكون قد لعب دوره، إن لم يكن في رفض الجزائر ففي قبول المترشحين الآخرين. على هذا الأساس فإن مجموعة بريكس أرادت بقبولها عضوية إثيوبيا ومصر ان تبعث رسالة دعم للبلدين المذكورين لتحثّهما على العمل السريع لإيجاد حل للنزاع القائم بينهما حول سدّ النهضة ما يساعد على اسقرار المنطقة وعلى نموّها.
كما تكون البريكس قد أرادت ان تثبّت بقبول عضوية السعودية وايران إتفاق المصالحة الذي تمّ بين البلدين في شهر مارس الماضي برعاية صينية.
وفي ما يتعلق بالأرجنتين فإن انتماءها مثل السعودية والبرازيل يزيد من ثقل البريكس الإقتصادي.
العنصر السياسي لم يكن إذن غائبا ولعب دورا هاما في عملية القبول و الرفض.
رُفضت عضوية الجزائر على خلاف ما كان ينتظره الجزائريون. ولكن، رُبّ ضارة نافعة، فقد يكون هذا الرفض حافزا لها حتى تتدارك نواقصها وتراجعَ سيساتِها الإنمائية وتجنّد طاقاتِها لمحاربة البطالة و تحقق التنوّع الاقتصادي المطلوب.
قبل بريكس…المغرب العربي
لكن الدرس الأهم الواجب استيعابه من رفض عضوية الجزائر في مجموعة البريكس يوجد في مكان آخر: في المغرب العربي، هذا المشروع الوحدوي الذي تحول بعد أربعة وثلاثين سنة (34) من ميلاده في مراكش يوم 17 فيفري 1989، من حلم جماهيري بمستقبل أفضل وأكثر إشراقا لشعوب المنطقة، إلى خيبة كبرى و أمل مكسور.
المغرب العربي الذي حملته أجيال من المغاربة وصنعت منه سلاحا لمقاومة الاستعمار و الذي كانت أولى تمثّلاته في اجتماع أهم الأحزاب السياسية لبلدان المغرب الأوسط (تونس والجزائر والمغرب ) في طنجة سنة 1958، أي حتى قبل استقلال الجزائر، هذا المشروع تحطّم على صخرة الخلاف حول الصحراء الغربية بين العضوين الأكبرين في الإتحاد : الجزائر والمغرب.
ومع تحطّم هذا الحلم الرائع تلاشت آمال بناء تجمّع اقتصادي يحقق ما تطمح إليه شعوب المنطقة من نمو وتطوّر ومناعة.
المغرب العربي هو مائة وعشرة مليون(110) نسمة تزيد نسبة الشباب فيها عن الأربعين في المائة، يتقاسمون نفس التاريخ والجغرافيا، ونفس الدين و الثقافة. هو ستة(06) ملايين كلم مربع)، هو إمكانيات ومقدرات طبيعية هائلة، هو موقع جغرافي وجيوستراتيجي فريد.
ولكن المغرب العربي هو اليوم كيان منقسم تشقّه الأزمات وتعصف به رياح التفرقة والقطيعة، ثرواته تُهدر في التسلّح الذي يهدد بأنواع الحرب في كل لحظة. المغرب العربي اليوم هو جريمة كاملة الدسم ضد حلم أجيال شعب واحد في خمسة أقطار لا يكاد تتجاوز نسبة التبادل التجاري بين دولها 2%.أكثر من جريمة. هي مهزلة عبثيّة يتحملها حكام الشعوب الذين أعمت بصائرهم أوهام القوّة وسراب الزعامة فدفعت بهم الى مصادرة حق شعوبهم في الوحدة والانعتاق.
ولعلّ ذلك هو الدرس الأهم من رفض-أو تأجيل-انضمام الجزائر إلى بريكس.
