ضمن السهرات الرمضانية التي تنظمها بمقرها بالمدينة العتيقة، وللموسم الثاني على التوالي، استضافت الرشيدية مجموعة “للاّ الكافية” التي قدّمت حفلا اختارت له مسمى “عودٌ وريشة”، حضره جمهور كثيف من أصيلي منطقة الكاف.
الحفل شمل فقراتٍ ثلاث أدت المجوعة في أولاها اغان من المدونة التونسية التي انتجها المعهد الرشيدي بين خمسينات وستينات القرن الماضي، وتألقت وقتئذ في أدائها صليحة- أصيلة الكاف!- و ابنتها شُبيْلة راشد، ثمّ وفي فقرة ثانية مقطوعات من التراث الغنائي الكافي والشمال غربي عموما في امتداده الإجتماعي القديم مع مناطق الوسط والجنوب الغربيين ضمن حركة الانتجاع الفصلي (الهطّاية). وختمت المجموعة حفلها بأناشيد من التراث الصوفي الشعبي الكافي.
الانطباع العام أن هذه المجموعة النسائية الناشئة حافظت على الحماسة والتلقائية التي تميزت بها عضوات الفرقة منذ ظهورها. كل المغنيات أدّين للذات وللحاضرين بشغف المولع بأصالته والمعتزّ بانتمائه. وقد نجحن في تمرير حماستهن الى الجمهور الذي تماهى معهنّ وتفاعل مع ما قدّمنه، وغطّين في نفس الوقت على تواضع مردود الاركستر المصاحب لهنّ والذي كان محدود العدد، ولم يكن أدائه مطابقا لمسمّى الحفل الذي وعد ب”العود والريشة” ، لكنه، عوض ذلك، برّز آلات الإيقاع والأورغن التي سيطرت على المسامع وضيّعت عليها فرصة الاستمتاع الهادئ بالفوارق والتفاصيل الدقيقة التي يتميّز بها الفنّ الكافي.
طبعا نحن لا ننسى اننا إزاء مجموعة هواة وما يعني ذلك من غياب الإمكانيات المادية اللازمة لإعداد فرقة على أسس متطورة من التصنيف الصوتي، والتوزيع المتوازن بين العزف والغناء، والتقليص في اللوازم والإعادات، والاستغناء احيانا عن الآلات الموسيقية، والتنويع بين إشراك المجوعة كاملة وبين تشكيلة مصغرة منها…، وكلها متطلبات تحتاج الدرس والبحث والاستعانة بأهل الاختصاص والكفاءة على المستوى الوطني، اعتبارا أن تراث الكاف هو ترات تونس كلها.
وتبقى مع كل ذلك “للاّ الكافية” مكسبا ثقافيا هاما لإعادة تنشيط الذاكرة الغنائية وإحيائها، وهو ما يحمّل السلط الثقافية، جهويا ووطنيا، مسؤولية رعايتها ومرافقة عملية تطورها وتوفير ما تستحقه من دعم يجعل منها نقطة إبداع وإشعاع على مدينة الكاف وخارجها…وحتى تبقى للاّت الكاف تغنين للحب والحياة مرتديات لباسهن الأخضر مبشّرات بموسم فلاحي مثمر.
جلول الزغلامي
